ـ على ما بينا في مقدمة سورة الأنفال في الجزء التاسع (١) ـ ندرك معه مدلولات هذه النصوص والأحكام التي نواجهها في ختام هذه السورة ، في تنظيم المجتمع المسلم وتنظيم علاقاته مع المؤمنين المهاجرين المجاهدين ـ بطبقاتهم ـ والذين آووا ونصروا ؛ وعلاقاته مع الذين آمنوا ولم يهاجروا ؛ وعلاقاته مع الذين كفروا .. إنها كلها تقوم على أساس ذلك الفقه بطبيعة النشأة العضوية الحركية للمجتمع الإسلامي.
ونستطيع الآن أن نواجه هذه النصوص والأحكام الواردة فيها :
* * *
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا. وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ ـ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ـ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ .. إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ) ..
لقد انخلع كل من قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله في مكة من الولاء لأسرته ، والولاء لعشيرته ، والولاء لقبيلته ، والولاء لقيادته الجاهلية الممثلة في قريش ؛ وأعطى ولاءه وزمامه لمحمد رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وللتجمع الصغير الناشئ الذي قام بقيادته. في حين وقف المجتمع الجاهلي يدفع عن وجوده الذاتي خطر هذا التجمع الجديد ـ الخارج عليه حتى قبل اللقاء في المعركة الحربية ـ ويحاول سحق هذا التجمع الوليد في نشأته.
عندئذ آخى رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ بين أعضاء هذا التجمع الوليد .. أي أنه حول هؤلاء «الأفراد» الآتين من المجتمع الجاهلي أفرادا ، إلى «مجتمع» متكافل ، تقوم رابطة العقيدة فيه مقام رابطة الدم والنسب ؛ ويقوم الولاء لقيادته الجديدة مقام الولاء للقيادة الجاهلية ، ويقوم الولاء فيه للمجتمع الجديد مقام كل ولاء سابق.
ثم لما فتح الله للمسلمين دار الهجرة في المدينة ؛ بعد أن وجد فيها مسلمون بايعوا القيادة الإسلامية على الولاء المطلق ، والسمع والطاعة في المنشط والمكره ، وحماية رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ مما يحمون منه أموالهم وأولادهم ونساءهم ؛ وقامت الدولة المسلمة في المدينة بقيادة رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ عاد رسول الله فآخى بين المهاجرين والأنصار تلك المؤاخاة التي تقوم مقام رابطة الدم والنسب كذلك بكل مقتضياتها. بما في ذلك الإرث والديات والتعويضات التي تقوم بها رابطة الدم في الأسرة والعشيرة .. وكان حكم الله تعالى :
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) ..
أولياء في النصرة ، وأولياء في الإرث ، وأولياء في الديات والتعويضات وسائر ما يترتب على رابطة الدم والنسب من التزامات وعلاقات.
ثم وجد أفراد آخرون دخلوا في هذا الدين عقيدة ؛ ولكنهم لم يلتحقوا بالمجتمع المسلم فعلا .. لم يهاجروا
__________________
(١) ص ١٤٣١ ـ ١٤٥٢ من الجزء التاسع.
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
