وولاية نصرة وأخوة قامت مقام علاقات الدم والنسب والقرابة .. حتى إذا وجدت الدولة ومكن الله لها بيوم الفرقان في بدر بقيت الولاية والنصرة ، ورد الله الميراث والتكافل في الديات إلى قرابة الدم ، داخل المجتمع المسلم .. فأما الهجرة التي يشير إليها النص ويجعلها شرطا لتلك الولاية ـ العامة والخاصة ـ فهي الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام ـ لمن استطاع ـ فأما الذين يملكون الهجرة ولم يهاجروا ، استمساكا بمصالح أو قرابات مع المشركين ، فهؤلاء ليس بينهم وبين المجتمع المسلم ولاية ، كما كان الشأن في جماعات من الأعراب أسلموا ولم يهاجروا لمثل هذه الملابسات ، وكذلك بعض أفراد في مكة من القادرين على الهجرة .. وهؤلاء وأولئك أوجب الله على المسلمين نصرهم ـ إن استنصروهم في الدين خاصة ـ على شرط ألا يكون الاعتداء عليهم من قوم بينهم وبين المجتمع المسلم عهد ، لأن عهود المجتمع المسلم وخطته الحركية أولى بالرعاية!
ونحسب أن هذه النصوص والأحكام تدل دلالة كافية على طبيعة المجتمع المسلم والاعتبارات الأساسية في تركيبه العضوي ، وقيمه الأساسية. ولكن هذه الدلالة لا تتضح الوضوح الكافي إلا ببيان تاريخي عن نشأة هذا المجتمع التاريخية ؛ والقواعد الأساسية التي انبثق منها وقام عليها ؛ ومنهجه الحركي والتزاماته :
* * *
إن الدعوة الإسلامية ـ على يد محمد رسول الله صلىاللهعليهوسلم ـ إنما تمثل الحلقة الأخيرة في سلسلة الدعوة الطويلة إلى الإسلام بقيادة موكب الرسل الكرام .. وهذه الدعوة على مدار التاريخ البشري كانت تستهدف أمرا واحدا : هو تعريف الناس بإلههم الواحد وربهم الحق ؛ وتعبيدهم لربهم وحده ونبذ ربوبية الخلق .. ولم يكن الناس ـ فيما عدا أفرادا معدودة فى فترات قصيرة ـ ينكرون مبدأ الألوهية ويجحدون وجود الله البتة ؛ إنما هم كانوا يخطئون معرفة حقيقة ربهم الحق ، أو يشركون مع الله آلهة أخرى : إما في صورة الاعتقاد والعبادة ؛ وإما في صورة الحاكمية والاتباع ؛ وكلاهما شرك كالآخر يخرج به الناس من دين الله ، الذي كانوا يعرفونه على يد كل رسول ، ثم ينكرونه إذا طال عليهم الأمد ، ويرتدون إلى الجاهلية ، التي أخرجهم منها ، ويعودون إلى الشرك بالله مرة أخرى .. إما في الاعتقاد والعبادة ، وإما فى الاتباع والحاكمية ، وإما فيها جميعا ..
هذه طبيعة الدعوة إلى الله على مدار التاريخ البشري .. إنها تستهدف «الإسلام» .. إسلام العباد لرب العباد ؛ وإخراجهم من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ؛ بإخراجهم من سلطان العباد وحاكميتهم وشرائعهم وقيمهم وتقاليدهم ، إلى سلطان الله وحاكميته وشريعته وحده في كل شأن من شؤون الحياة .. وفى هذا جاء الإسلام على يد محمد صلىاللهعليهوسلم ، كما جاء على أيدي الرسل الكرام قبله .. جاء ليرد الناس إلى حاكمية الله كشأن الكون كله الذي يحتوي الناس ؛ فيجب أن تكون السلطة التي تنظم حياتهم هى السلطة التي تنظم وجوده ؛ فلا يشذوا هم بمنهج وسلطان وتدبير غير المنهج والسلطان والتدبير الذي يصرف الكون كله. بل الذي يصرف وجودهم هم أنفسهم في غير الجانب الإرادي من حياتهم. فالناس محكومون بقوانين فطرية من صنع الله في نشأتهم ونموهم وصحتهم ومرضهم ، وحياتهم وموتهم ؛ كما هم محكومون بهذه القوانين في اجتماعهم وعواقب ما يحل بهم نتيجة لحركتهم الاختيارية ذاتها ؛ وهم لا يملكون تغيير سنة الله بهم فى هذا كله ؛ كما أنهم لا يملكون تغيير سنة الله فى القوانين الكونية التي تحكم هذا الكون وتصرفه .. ومن ثم ينبغى أن يثوبوا إلى الإسلام فى الجانب الإرادي من حياتهم ؛ فيجعلوا شريعة الله هى الحاكمة فى كل شأن من
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
