فإذا استجابت وقعت تلك المعجزة التي لا يدري سرها إلا الله ، ولا يقدر عليها إلا الله.
يقول رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ : «إن من عباد الله لأناسا ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله تعالى» قالوا : يا رسول الله تخبرنا من هم. قال : «هم قوم تحابوا بروح الله بينهم ، على غير أرحام بينهم ، ولا أموال يتعاطونها ، والله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى نور. لا يخافون إذا خاف الناس ، ولا يحزنون إذا حزن الناس» .. (أخرجه أبو داود).
ويقول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ : «إن المسلم إذا لقي أخاه المسلم ، فأخذ بيده تحاتت عنهما ذنوبهما كما تتحات الورق عن الشجرة اليابسة في يوم ريح عاصف وإلا غفر لهما ذنوبهما ولو كانت مثل زبد البحار» .. (رواه الطبراني).
وتتوارد أقوال الرسول تترى في هذا الباب ؛ وتشهد أعماله بأصالة هذا العنصر في رسالته عليه الصلاة والسلام ؛ كما تشهد الأمة التي بناها على الحب أنها لم تكن مجرد كلمات مجنحة ، ولا مجرد أعمال مثالية فردية ؛ إنما كانت واقعا شامخا قام على هذا الأساس الثابت ، بإذن الله ، الذي لا يقدر على تأليف القلوب هكذا سواه.
* * *
بعد ذلك يمضي السياق يطمئن رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ والعصبة المسلمة من ورائه ، إلى ولاية الله ـ سبحانه ـ له ولها ؛ وهو حسبه وحسبها ؛ ثم يأمره بتحريض المؤمنين على القتال في سبيل الله ؛ فهم أكفاء لعشرة أمثالهم ممن لا يفقهون فقههم ؛ وهم على الأقل أكفاء لمثليهم في أضعف الحالات :
(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ ، إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ، بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ. الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ ، وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً ، فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ ، وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) ..
ويقف الفكر ليستعرض القوة التي لا راد لها ، ولا معقب عليها ـ قوة الله القوي العزيز ـ وأمامها تلك القوة الضئيلة العاجزة الهزيلة ـ التي تتصدى لكتائب الله ـ فإذا الفرق شاسع ، والبون بعيد. وإذا هي معركة مضمونة العاقبة ، معروفة النهاية ، مقررة المصير .. وهذا كله يتضمنه قوله تعالى :
(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) ..
ومن ثم يأتي الأمر بتحريض المؤمنين على القتال ـ في سبيل الله ـ وقد تهيأت كل نفس ، واستعد كل قلب وشد كل عصب ، وتحفز كل عرق ؛ وانسكبت في القلوب الطمأنينة والثقة واليقين :
(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ) ..
حرضهم وهم لعدوهم وعدو الله كفء ، وإن قل عددهم وكثر أعداؤهم وأعداء الله حولهم :
(إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) ..
فأما تعليل هذا التفاوت فهو تعليل مفاجئ عجيب. ولكنه صادق عميق :
(بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) ..
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
