هذا ما تدركه القلوب المؤمنة وتطمئن إليه ؛ وما هو محجوب عن القلوب الخاوية فلا تحسب حسابه! وهذا ما يرجح الكفة ، ويقرر النتيجة ، ويفصل في القضية في نهاية المطاف في كل زمان وفي كل مكان.
وقولة المنافقين والذين في قلوبهم مرض ، عن العصبة المسلمة يوم بدر : «غر هؤلاء دينهم» .. هي قولة المنافقين والذين في قلوبهم مرض كلما رأوا العصبة المسلمة تتعرض لجحافل الطاغوت في عنفوانه ؛ وعدتها الأساسية التي تملكها هي هذا الدين ؛ وهي هذه العقيدة الدافعة الدافقة ؛ وهي الغيرة على ألوهية الله وعلى حرمات الله ؛ وهي التوكل على الله والثقة بنصره لأوليائه.
إن المنافقين والذين في قلوبهم مرض يقفون ليتفرجوا والعصبة المسلمة تصارع جحافل الطاغوت ، وفي نفوسهم سخرية من هذه العصبة التي تتصدى للخطر ، وتستخف بالخطر! وفي نفوسهم عجب كذلك ودهشة في اقتحام العصبة المسلمة للمكاره الظاهرة ، وللأخطار الواضحة .. إنهم هم لا يعرفون مبررا لهذا التهور ـ كما يسمونه ـ وللإلقاء بالنفس إلى التهلكة! .. إنهم يحسبون الحياة كلها ـ بما فيها الدين والعقيدة ـ صفقة في سوق التجارة. إن كانت ظاهرة الربح أقدموا عليها ؛ فأما إذا كان الخطر فالسلامة أولى! .. إنهم لا يدركون الأمور ببصيرة المؤمن ، ولا يزنون النتائج كذلك بميزان الإيمان .. إنها في حس المؤمن وميزانه صفقة رابحة دائما ؛ فهي مؤدية إلى إحدى الحسنيين : النصر والغلب ، أو الشهادة والجنة .. ثم إن حساب القوى في نفسه يختلف ؛ فهناك الله .. وهذا ما لا يدخل في حساب المنافقين والذين في قلوبهم مرض!
والعصبة المسلمة في كل مكان وفي كل زمان مدعوة إلى أن تزن بميزان الإيمان والعقيدة ؛ وأن تدرك ببصيرة المؤمن وقلبه ، وأن ترى بنور الله وهداه ، وألا تتعاظمها قوى الطاغوت الظاهرة ، وألا تستهين بقوتها ووزنها فإن معها الله ، وأن تلقي بالها دائما إلى تعليم الله سبحانه للمؤمنين :
(وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ..
.. وصدق الله العظيم ..
وأخيرا يعرض السياق القرآني مشهدا من مشاهد التدخل الإلهي في المعركة ، والملأ الأعلى من الملائكة ـ بأمر الله وإذنه ـ يشارك في أخذ الذين كفروا بالتعذيب والتأنيب ؛ والملائكة يقبضون أرواحهم في صورة منكرة ، ويؤذونهم أذى مهينا ـ جزاء على البطر والاستكبار ـ ويذكرونهم في أشد اللحظات ضيقا وحرجا بسوء أعمالهم وبسوء مآلهم ، جزاء وفاقا لا يظلمهم الله فيه شيئا .. ويقرر السياق في إثر عرض هذا المشهد أن أخذ الكفار بتكذيبهم سنة ماضية : (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ) وأنه كذلك أخذ فرعون وملأه ، وكذلك يأخذ كل من يفعل فعله ويشرك شركه :
(وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ ، وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ. ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ، وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ. كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ ، فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ ، إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ. ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ، وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ، فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ، وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ. وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ).
والآيتان الأوليان في هذا المقطع :
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
