عالم الضمائر ـ إن هذا كله مما يعين على جلاء الحق للعيون والقلوب ؛ وعلى إزالة اللبس في العقول والنفوس ؛ بحيث يتبين الأمر بهذا الفتح ويتجلى ؛ فلا تعود لمن يختار الهلاك ـ أي الكفر ـ شبهة في الحق الذي استعلن واستعلى ؛ كما أن الذي يريد أن يحيا ـ أي يؤمن ـ لا يعود لديه شك في أن هذا هو الحق الذي ينصره الله ، ويخذل الطغاة.
وهذا يعود بنا إلى ما قدمناه في الجزء التاسع ـ في التعريف بسورة الأنفال ـ من الحديث عن ضرورة الجهاد لتحطيم قوى الشر وسلطان الطاغوت ؛ وإعلاء راية الحق وسلطان الله .. فهذا مما يعين على جلاء الحق : «ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة» .. كما أن هذه اللفتة تساعدنا على تفهم أبعاد الإيحاء الذي يعطيه قول الله تعالى ، في هذه السورة : (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ ..) فإعداد القوة والإرهاب بها مما يعين على جلاء الحق في أنماط من القلوب. لا تستيقظ ولا تتبين إلا على إيقاعات القوة التي تحمل الحق وتنطلق به لإعلان تحرير «الإنسان» في «الأرض» كما أسلفنا. (١)
والتعقيب على ذلك الجانب من التدبير الإلهي في المعركة ، وعلى غاية هذا التدبير التي تحققت فعلا هو :
(وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ) ..
فهو ـ سبحانه ـ لا يخفى عليه شيء مما يقول فريق الحق أو فريق الباطل ؛ ولا شيء مما يخفونه في صدورهم وراء الأقوال والأفعال ؛ وهو يدبر ويقدر باطلاعه على الظواهر وعلمه بالسرائر ، وهو السميع العليم ..
وبعد هذا التعقيب الذي يتوسط استعراض المعركة وأحداثها وملابساتها يمضي السياق في هذا الاستعراض ؛ ويكشف التدبير الخفي اللطيف :
(إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً ، وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ. وَلكِنَّ اللهَ سَلَّمَ. إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) ..
ولقد كان من تدبير الله في المعركة أن يرى رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ الكافرين في الرؤيا في منامه قليلا لا قوة لهم ولا وزن. فينبئ أصحابه برؤياه ، فيستبشروا بها ويتشجعوا على خوض المعركة .. ثم يخبر الله هنا لم أراهم لنبيه قليلا. فلقد علم ـ سبحانه ـ أنه لو أراهم له كثيرا ، لفت ذلك في قلوب القلة التي معه ، وقد خرجت على غير استعداد ولا توقع لقتال ، ولضعفوا عن لقاء عدوهم ؛ وتنازعوا فيما بينهم على ملاقاتهم : فريق يرى أن يقاتلهم وفريق يرى تجنب الالتحام بهم .. وهذا النزاع في هذا الظرف هو أبأس ما يصيب جيشا يواجه عدوا!
(وَلكِنَّ اللهَ سَلَّمَ. إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) ..
ولقد كان ـ سبحانه ـ يعلم بذوات الصدور ؛ فلطف بالعصبة المسلمة أن يعرضها لما يعلمه من ضعفها في ذلك الموقف ؛ فأرى نبيه المشركين في رؤياه قليلا ، ولم يرهم إياه كثيرا ..
والرؤيا صادقة في دلالتها الحقيقية. فقد رآهم رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ قليلا .. وهم كثير عددهم ، ولكن قليل غناؤهم ، قليل وزنهم في المعركة ، قلوبهم خواء من الإدراك الواسع ، والإيمان الدافع ، والزاد النافع .. وهذه الحقيقة الواقعة ـ من وراء الظاهر الخادع ـ هي التي أراها الله لرسوله ؛ فأدخل بها
__________________
(١) يراجع بتوسع الجزء التاسع ص ١٤٣١ ـ ١٤٥٢.
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
