الذي أشار إليه قول الله تعالى في معرض بيان إرادته ـ سبحانه ـ من وراء المعركة ، ومن وراء إخراج الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ من بيته بالحق ؛ ومن وراء إفلات القافلة (غير ذات الشوكة) ولقاء الفئة ذات الشوكة ..
ولقد كان هذا كله فرقانا في منهج هذا الدين ذاته ، تتضح به طبيعة هذا المنهج وحقيقته في حس المسلمين أنفسهم .. وإنه لفرقان ندرك اليوم ضرورته ؛ حينما ننظر إلى ما أصاب مفهومات هذا الدين من تميع في نفوس من يسمون أنفسهم مسلمين! حتى ليصل هذا التميع إلى مفهومات بعض من يقومون بدعوة الناس إلى هذا الدين! (١)
وهكذا كان يوم بدر «يوم الفرقان يوم التقى الجمعان» بهذه المدلولات المنوعة الشاملة العميقة ..
(وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ..
وفي هذا اليوم مثل من قدرته على كل شيء .. مثل لا يجادل فيه مجادل ، ولا يماري فيه ممار .. مثل من الواقع المشهود ، الذي لا سبيل إلى تفسيره إلا بقدرة الله. وأن الله على كل شيء قدير.
* * *
وهنا يعود السياق إلى يوم الفرقان يوم التقى الجمعان .. يعود إلى المعركة ، فيعيد عرضها بأسلوب عجيب في استحضار مشاهدها ومواقفها ، كما لو كانت معروضة فعلا ، ويكشف عن تدبير الله في إدارتها. حتى ليكاد الإنسان يرى يد الله ـ سبحانه ـ من وراء الأحداث والحركات كما يكشف عن غاية ذلك التدبير التي تحققت كما أرادها الله سبحانه :
(إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا ، وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى ، وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ. وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ ، وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً. لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ، وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ. إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً ، وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ ، وَلكِنَّ اللهَ سَلَّمَ ، إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ. وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً ، وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ).
إن المعركة شاخصة بمواقع الفريقين فيها ؛ وشاهدة بالتدبير الخفي من ورائها .. إن يد الله تكاد ترى ، وهي توقف هؤلاء هنا ، وهؤلاء هناك ، والقافلة من بعيد! والكلمات تكاد تشف عن تدبير الله في رؤيا الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وفي تقليل كل فريق في عين الفريق الآخر ، وفي إغراء كل منهما بالآخر .. وما يملك إلا الأسلوب القرآني الفريد ، عرض المشاهد وما وراء المشاهد بهذه الحيوية ، وبهذه الحركة المرئية ، وفي مثل هذه المساحة الصغيرة من التعبير!
وهذه المشاهد التي تستحضرها النصوص ، قد مر بنا في استعراض الوقعة من السيرة الإشارة إليها .. ذلك أن المسلمين حين خرجوا من المدينة نزلوا بضفة الوادي القريبة من المدينة ؛ ونزل جيش المشركين بقيادة أبي جهل بالضفة الأخرى البعيدة من المدينة ؛ وبين الفريقين ربوة تفصلهما .. أما القافلة فقد مال بها أبو سفيان إلى سيف البحر أسفل من الجيشين.
__________________
(١) كان موضع هذه اللفتة في الجزء التاسع عند استعراض هذا النص. ولكن لم يفتح به علي وقتها ، وفتح علي به هنا. والحمد لله أولا وأخيرا.
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
