وحده مصدر التوجيه ؛ وهي ترتقب وعد الله لها بالنصر والتمكين. من وراء الكيد والسحق والقتل والتشريد .. وما كان مرة لا بد أن سيكون ..
* * *
ثم يمضي السياق يصف العجب العاجب من عناد المشركين في وجه الحق الذي يغالبهم فيغلبهم ؛ فإذا الكبرياء تصدهم عن الاستسلام له والإذعان لسلطانه ؛ وإذا بهم يتمنون على الله ـ إن كان هذا هو الحق من عنده ـ أن يمطر عليهم حجارة من السماء ، أو أن يأتيهم بعذاب أليم. بدلا من أن يسألوا الله أن يرزقهم اتباع هذا الحق والوقوف في صفه :
(وَإِذْ قالُوا : اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ ، أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ) ..
وهو دعاء غريب ؛ يصور حالة من العناد الجامح الذي يؤثر الهلاك على الإذعان للحق ، حتى ولو كان حقا! .. إن الفطرة السليمة حين تشك تدعو الله أن يكشف لها عن وجه الحق ، وأن يهديها إليه ، دون أن تجد في هذا غضاضة. ولكنها حين تفسد بالكبرياء الجامحة ، تأخذها العزة بالإثم ، حتى لتؤثر الهلاك والعذاب ، على أن تخضع للحق عند ما يكشف لها واضحا لا ريب فيه .. وبمثل هذا العناد كان المشركون في مكة يواجهون دعوة رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ولكن هذه الدعوة هي التي انتصرت في النهاية في وجه هذا العناد الجامح الشموس!
ويعقب السياق على هذا العناد ، وعلى هذا الادعاء ، بأنهم مع استحقاقهم لإمطار الحجارة عليهم من السماء وللعذاب الأليم الذي طلبوه ـ إن كان هذا هو الحق من عنده ـ وإنه للحق .. مع هذا فإن الله فد أمسك عنهم عذاب الاستئصال الذي أخذ به المكذبين قبلهم. لأن رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ بينهم ، ولا يزال يدعوهم إلى الهدى. والله لا يعذبهم عذاب الاستئصال والرسول فيهم. كما أنه لا يعذبهم هذا العذاب على معاصيهم إذا كانوا يستغفرون منها ؛ وليس تأخير العذاب عنهم لمجرد أنهم أهل هذا البيت. فهم ليسوا بأولياء هذا البيت إنما أولياؤه المتقون :
(وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ، وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ، وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ ، إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ ، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ. وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً. فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) ..
إنها رحمة الله تمهلهم فلا يأخذهم الله بعنادهم ؛ ولا يأخذهم بصدهم عن المسجد الحرام ـ وقد كانوا يمنعون المسلمين أن يحجوا إليه ، وهم لا يمنعون أحدا ولا يهيجونه عنه!
إنها رحمة الله تمهلهم عسى أن يستجيب للهدى منهم من تخالط بشاشة الإيمان قلبه ـ ولو بعد حين ـ وما دام الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ بينهم ، يدعوهم ، فهنالك توقع لاستجابة البعض منهم ؛ فهم إكراما لوجود رسول الله بينهم يمهلون. والطريق أمامهم لاتقاء عذاب الاستئصال دائما مفتوح إذا هم استجابوا واستغفروا عما فرط منهم وأنابوا :
(وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ، وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) ..
فأما لو عاملهم الله بما هم فيه فهم مستحقون لهذا العذاب :
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
