الأرض لله وحده ـ فيكون الدين كله لله ـ فإن أعلنوا الاستسلام قبل منهم النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ هذا ونيتهم يحاسبهم بها الله ، والله بما يعملون بصير. وإن تولوا وظلوا على حربهم وعنادهم وعدم اعترافهم بألوهية الله وحده ، وعدم استسلامهم لسلطان الله في الأرض ، واصل المسلمون جهادهم ، مستيقنين أن الله مولاهم ، ونعم المولى ونعم النصير ..
* * *
(وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ. وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ. وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ) ..
إنه التذكير بما كان في مكة ، قبل تغير الحال ، وتبدل الموقف. وإنه ليوحي بالثقة واليقين في المستقبل ؛ كما ينبه إلى تدبير قدر الله وحكمته فيما يقضي به ويأمر .. ولقد كان المسلمون الذين يخاطبون بهذا القرآن أول مرة ، يعرفون الحالين معرفة الذي عاش ورأى وذاق. وكان يكفي أن يذكروا بهذا الماضي القريب ، وما كان فيه من خوف وقلق ؛ في مواجهة الحاضر الواقع وما فيه من أمن وطمأنينة .. وما كان من تدبير المشركين ومكرهم برسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ في مواجهة ما صار إليه من غلبة عليهم ، لا مجرد النجاة منهم! لقد كانوا يمكرون ليوثقوا رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ويحبسوه حتى يموت ؛ أو ليقتلوه ويتخلصوا منه ؛ أو ليخرجوه من مكة منفيا مطرودا .. ولقد ائتمروا بهذا كله ثم اختاروا قتله ؛ على أن يتولى ذلك المنكر فتية من القبائل جميعا ؛ ليتفرق دمه في القبائل ؛ ويعجز بنو هاشم عن قتال العرب كلها ، فيرضوا بالدية وينتهي الأمر!
قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، أخبرني عثمان الجريري ، عن مقسم مولى ابن عباس ، أخبره ابن عباس في قوله : (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ) ... قال : «تشاورت قريش ليلة بمكة. فقال بعضهم : إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق ـ يريدون النبي صلىاللهعليهوسلم ـ وقال بعضهم : بل اقتلوه. وقال بعضهم : بل أخرجوه. فأطلع الله نبيه ـ صلىاللهعليهوسلم ـ على ذلك ؛ فبات عليّ ـ رضي الله عنه ـ على فراش رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وخرج النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ حتى لحق بالغار. وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فلما أصبحوا ثاروا إليه ؛ فلما رأوه عليا رد الله تعالى عليهم مكرهم ، فقالوا : أين صاحبك هذا؟ قال : لا أدري! فاقتصوا أثره ؛ فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم ، فصعدوا في الجبل ، فمروا بالغار ، فرأوا على بابه نسج العنكبوت ، فقالوا : لو دخل هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه .. فمكث فيه ثلاث ليال».
(وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ ، وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ).
والصورة التي يرسمها قوله تعالى : (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ) .. صورة عميقة التأثير .. ذلك حين تتراءى للخيال ندوة قريش ، وهم يتآمرون ويتذاكرون ويدبرون ويمكرون .. والله من ورائهم ، محيط ، يمكر بهم ويبطل كيدهم وهم لا يشعرون!
إنها صورة ساخرة ، وهي في الوقت ذاته صورة مفزعة .. فأين هؤلاء البشر الضعاف المهازيل ، من تلك القدرة القادرة .. قدرة الله الجبار ، القاهر فوق عباده ، الغالب على أمره ، وهو بكل شيء محيط؟
والتعبير القرآني يرسم الصورة على طريقة القرآن الفريدة في التصوير ؛ فيهز بها القلوب ، ويحرك بها أعماق الشعور.
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
