وحاضرهم .. ومن ثم كان لهذا القرآن في حسهم ذلك المذاق ..
والعصبة المسلمة التي تجاهد اليوم لإعادة إنشاء هذا الدين في واقع الأرض وفي حياة الناس ؛ قد لا تكون قد مرت بالمرحلتين ، ولا تذوقت المذاقين .. ولكن هذا القرآن يهتف لها بهذه الحقيقة كذلك. ولئن كانت اليوم إنما تعيش في قوله تعالى :
(إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ) ..
فأولى لها أن تستجيب لدعوة الحياة التي يدعوها إليها رسول الله ؛ وأن تترقب في يقين وثقة ، موعود الله للعصبة المسلمة ، موعوده الذي حققه للعصبة الأولى ، ووعد بتحقيقه لكل عصبة تستقيم على طريقه ، وتصبر على تكاليفه .. وأن تنتظر قوله تعالى :
(فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ ، وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).
وهي إنما تتعامل مع وعد الله الصادق ـ لا مع ظواهر الواقع الخادع ـ ووعد الله هو واقع العصبة المسلمة الذي يرجح كل واقع!
* * *
ثم يتكرر الهتاف للذين آمنوا مرة أخرى .. إن الأموال والأولاد قد تقعد الناس عن الاستجابة خوفا وبخلا. والحياة التي يدعو إليها رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ حياة كريمة ، لا بد لها من تكاليف ، ولا بد لها من تضحيات .. لذلك يعالج القرآن هذا الحرص بالتنبيه إلى فتنة الأموال والأولاد ـ فهي موضع ابتلاء واختبار وامتحان ـ وبالتحذير من الضعف عن اجتياز هذا الامتحان ؛ ومن التخلف عن دعوة الجهاد ؛ وعن تكاليف الأمانة والعهد والبيعة. واعتبار هذا التخلف خيانة لله والرسول ، وخيانة للأمانات التي تضطلع بها الأمة المسلمة في الأرض ، وهي إعلاء كلمة الله وتقرير ألوهيته وحده للعباد ، والوصاية على البشرية بالحق والعدل .. ومع هذا التحذير التذكير بما عند الله من أجر عظيم يرجح الأموال والأولاد ، التي قد تقعد الناس عن التضحية والجهاد : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ. وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ، وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) ..
إن التخلي عن تكاليف الأمة المسلمة في الأرض خيانة لله والرسول. فالقضية الأولى في هذا الدين هي قضية : «لا إله إلا الله ، محمد رسول الله» .. قضية إفراد الله ـ سبحانه ـ بالألوهية ؛ والأخذ في هذا بما بلغه محمد ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وحده .. والبشرية في تاريخها كله لم تكن تجحد الله البتة ؛ ولكنها إنما كانت تشرك معه آلهة أخرى. أحيانا قليلة في الاعتقاد والعبادة. وأحيانا كثيرة في الحاكمية والسلطان ـ وهذا هو غالب الشرك ومعظمه ـ ومن ثم كانت القضية الأولى لهذا الدين ليست هي حمل الناس على الاعتقاد بألوهية الله. ولكن حملهم على إفراده ـ سبحانه ـ بالألوهية ، وشهادة أن لا إله إلا الله ، أي إفراده بالحاكمية في حياتهم الأرضية ـ كما أنهم مقرّون بحاكميته في نظام الكون ـ تحقيقا لقول الله تعالى : (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ) .. كذلك كانت هي حملهم على أن الرسول هو وحده المبلغ عن الله ؛ ومن ثم الالتزام بكل ما يبلغهم إياه ..
هذه هي قضية هذا الدين ـ اعتقادا لتقريره في الضمير ، وحركة لتقريره في الحياة ـ ومن هنا كان التخلي عنها خيانة لله والرسول ؛ يحذر الله منها العصبة المسلمة التي آمنت به وأعلنت هذا الإيمان ؛ فأصبح متعينا عليها
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
