هو دعوة إلى الحياة في كل صورها وأشكالها .. وفي كل مجالاتها ودلالاتها. والتعبير القرآني يجمل هذا كله في كلمات قليلة موحية :
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ) ..
استجيبوا له طائعين مختارين ؛ وإن كان الله ـ سبحانه ـ قادرا على قهركم على الهدى لو أراد :
(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) ..
ويا لها من صورة رهيبة مخيفة للقدرة القاهرة اللطيفة .. «يحول بين المرء وقلبه» فيفصل بينه وبين قلبه ؛ ويستحوذ على هذا القلب ويحتجزه ، ويصرفه كيف شاء ، ويقلبه كما يريد. وصاحبه لا يملك منه شيئا وهو قلبه الذي بين جنبيه!
إنها صورة رهيبة حقا ؛ يتمثلها القلب في النص القرآني ، ولكن التعبير البشري يعجز عن تصوير إيقاعها في هذا القلب ، ووصف هذا الإيقاع في العصب والحس!
إنها صورة تستوجب اليقظة الدائمة ، والحذر الدائم ، والاحتياط الدائم. اليقظة لخلجات القلب وخفقاته ولفتاته ؛ والحذر من كل هاجسة فيه وكل ميل مخافة أن يكون انزلاقا ؛ والاحتياط الدائم للمزالق والهواتف والهواجس .. والتعلق الدائم بالله ـ سبحانه ـ مخافة أن يقلب هذا القلب في سهوة من سهواته ، أو غفلة من غفلاته ، أو دفعة من دفعاته ..
ولقد كان رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وهو رسول الله المعصوم يكثر من دعاء ربه : «اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» .. فكيف بالناس ، وهم غير مرسلين ولا معصومين؟!
إنها صورة تهز القلب حقا ؛ ويجد لها المؤمن رجفة في كيانه حين يخلو إليها لحظات ، ناظرا إلى قلبه الذي بين جنبيه ، وهو في قبضة القاهر الجبار ؛ وهو لا يملك منه شيئا ، وإن كان يحمله بين جنبيه ويسير!
صورة يعرضها على الذين آمنوا وهو يناديهم :
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ) ..
ليقول لهم : إن الله قادر على أن يقهركم على الهدى ـ لو كان يريد ـ وعلى الاستجابة التي يدعوكم إليها هذه الدعوة ، ولكنه ـ سبحانه ـ يكرمكم ؛ فيدعوكم لتستجيبوا عن طواعية تنالون عليها الأجر ؛ وعن إرادة تعلو بها إنسانيتكم وترتفع إلى مستوى الأمانة التي ناطها الله بهذا الخلق المسمى بالإنسان .. أمانة الهداية المختارة ؛ وأمانة الخلافة الواعية ، وأمانة الإرادة المتصرفة عن قصد ومعرفة.
(وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) ..
فقلوبكم بين يديه. وأنتم بعد ذلك محشورون إليه. فما لكم منه مفر. لا في دنيا ولا في آخرة. وهو مع هذا يدعوكم لتستجيبوا استجابة الحر المأجور ، لا استجابة العبد المقهور.
ثم يحذرهم القعود عن الجهاد ، وعن تلبية دعوة الحياة ، والتراخي في تغيير المنكر في أية صورة كان :
(وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) ..
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
