فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ ، وَمَنْ يُشاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ. ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ ، وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ) ..
إنها المعركة كلها تدار بأمر الله ومشيئته ، وتدبيره وقدره ؛ وتسير بجند الله وتوجيهه .. وهي شاخصة بحركاتها وخطراتها من خلال العبارة القرآنية المصورة المتحركة المحيية للمشهد الذي كان ، كأنه يكون الآن!
فأما قصة الاستغاثة فقد روى الإمام أحمد ـ بإسناده ـ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : لما كان يوم بدر نظر النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ إلى أصحابه وهم ثلاث مائة ونيف ، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة (١). فاستقبل النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ القبلة ، وعليه رداؤه وإزاره ، ثم قال : «اللهم أنجز لي ما وعدتني. اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبدا» قال : فما زال يستغيث ربه ويدعوه ، حتى سقط رداؤه عن منكبيه ، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فردّاه ، ثم التزمه من ورائه ، ثم قال : يا نبي الله ، كفاك مناشدتك ربك ، فإنه سينجز لك ما وعدك ، فأنزل الله عزوجل : (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ) ..
وتروى روايات كثيرة مفصلة عن الملائكة في يوم بدر : عددهم. وطريقة مشاركتهم في المعركة. وما كانوا يقولونه للمؤمنين مثبتين وما كانوا يقولونه للمشركين مخذلين ... ونحن ـ على طريقتنا في الظلال ـ نكتفي في مثل هذا الشأن من عوالم الغيب بما يرد في النصوص المستيقنة من قرآن أو سنة. والنصوص القرآنية هنا فيها الكفاية : (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ) .. فهذا عددهم .. (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ، سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ) .. فهذا عملهم .. ولا حاجة إلى التفصيل وراء هذا فإن فيه الكفاية .. وبحسبنا أن نعلم أن الله لم يترك العصبة المسلمة وحدها في ذلك اليوم ، وهي قلة والأعداء كثرة. وأن أمر هذه العصبة وأمر هذا الدين قد شارك فيه الملأ الأعلى مشاركة فعلية على النحو الذي يصفه الله ـ سبحانه ـ في كلماته ..
قال البخاري : باب شهود الملائكة بدرا : حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا جرير ، عن يحيى بن سعيد ، عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي ، عن أبيه ـ وكان أبوه من أهل بدر ـ قال : جاء جبريل إلى النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فقال : ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال : «من أفضل المسلمين» ـ أو كلمة نحوها ـ قال : «وكذلك من شهد بدرا من الملائكة» ... (انفرد بإخراجه البخاري) ...
(إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ ، فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ. وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرى ، وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ ، إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ..
لقد استجاب لهم ربهم وهم يستغيثون ، وأنبأهم أنه ممدهم بألف من الملائكة مردفين .. ومع عظمة هذا الأمر ودلالته على قيمة هذه العصبة وقيمة هذا الدين في ميزان الله ؛ إلا أن الله سبحانه لا يدع المسلمين يفهمون أن هناك سببا ينشئ نتيجة ، إنما يرد الأمر كله إليه ـ سبحانه ـ تصحيحا لعقيدة المسلم وتصوره. فهذه الاستجابة ، وهذا المدد ، وهذا الإخبار به ... كل ذلك لم يكن إلا بشرى ، ولتطمئن به القلوب. أما النصر فلم يكن إلا من عند الله ولا يكون .. هذه هي الحقيقة الاعتقادية التي يقررها السياق القرآني هنا ، حتى لا يتعلق قلب المسلم بسبب من الأسباب أصلا ..
__________________
(١) في روايات أخرى أنهم بين الألف والتسع مائة.
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
