لذلك كان السلف يعرفون من هذه الآيات أن من لم يجد في نفسه وعمله هذه الصفات لم يجد الإيمان ، ولم يكن مؤمنا أصلا .. جاء في تفسير ابن كثير : قال علي ابن طلحة عن ابن عباس ، في قوله : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) «قال : المنافقون : لا يدخل قلوبهم شيء من ذكر الله عند أداء فرائضه ، ولا يؤمنون بشيء من آيات الله ، ولا يتوكلون ، ولا يصلون إذا غابوا (أي عن أعين الناس) ولا يؤدون زكاة أموالهم. فأخبر الله تعالى أنهم ليسوا بمؤمنين. ثم وصف الله المؤمنين فقال : «إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم» فأدوا فرائضه. «وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا» يقول : زادتهم تصديقا ، «وعلى ربهم يتوكلون» يقول : لا يرجون غيره.
وسنرى من طبيعة هذه الصفات أنه لا يمكن أن يقوم بدونها الإيمان أصلا ؛ وأن الأمر فيها ليس أمر كمال الإيمان أو نقصه ؛ إنما هو أمر وجود الإيمان أو عدمه.
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) ...
إنها الارتعاشة الوجدانية التي تنتاب القلب المؤمن حين يذكر بالله في أمر أو نهي ؛ فيغشاه جلاله ، وتنتفض فيه مخافته ؛ ويتمثل عظمة الله ومهابته ، إلى جانب تقصيره هو وذنبه ، فينبعث إلى العمل والطاعة ... أو هي كما قالت أم الدرداء ـ رضي الله عنها ـ فيما رواه الثوري ، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن شهر بن حوشب ، عن أم الدرداء قالت : «الوجل في القلب كاحتراق السعفة ، أما تجد له قشعريرة؟ قال : بلى. قالت : إذا وجدت ذلك فادع الله عند ذلك. فإن الدعاء يذهب ذلك» ..
إنها حال ينال القلب منها أمر يحتاج إلى الدعاء ليستريح منها ويقر! وهي الحال التي يجدها القلب المؤمن حين يذكر بالله في صدد أمر أو نهي ؛ فيأتمر معها وينتهي كما يريد الله ، وجلا وتقوى لله.
(وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً).
والقلب المؤمن يجد في آيات هذا القرآن ما يزيده إيمانا ، وما ينتهي به إلى الاطمئنان .. إن هذا القرآن يتعامل مع القلب البشري بلا وساطة ، ولا يحول بينه وبينه شيء إلا الكفر الذي يحجبه عن القلب ويحجب القلب عنه ؛ فإذا رفع هذا الحجاب بالإيمان وجد القلب حلاوة هذا القرآن ، ووجد في إيقاعاته المتكررة زيادة في الإيمان تبلغ إلى الاطمئنان (١) .. وكما أن إيقاعات القرآن على القلب المؤمن تزيده إيمانا ، فإن القلب المؤمن هو الذي يدرك هذه الإيقاعات التي تزيده إيمانا .. لذلك يتكرر في القرآن تقرير هذه الحقيقة في أمثال قوله تعالى : (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) .. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) .. ومن ذلك قول أحد الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ : كنا نؤتى الإيمان قبل أن نؤتى القرآن ..
وبهذا الإيمان كانوا يجدون في القرآن ذلك المذاق الخاص ، يساعدهم عليه ذلك الجو الذي كانوا يتنسمونه ؛ وهم يعيشون القرآن فعلا وواقعا ؛ ولا يزاولونه مجرد تذوق وإدراك! وفي الروايات الواردة في نزول الآية قول سعد بن مالك وقد طلب أن ينفله رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ السيف ، قبل أن ينزل القرآن الذي يرد ملكية الأنفال للرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فيتصرف فيها بما يريد. وقد قال له : «إن هذا السيف لا لك ولا لي ، ضعه» فلما نودي سعد من ورائه بعد وضعه السيف وانصرافه ، توقع أن يكون الله ـ سبحانه ـ قد أنزل فيه شيئا ؛ قال : «قلت : قد أنزل الله فيّ شيئا» قال رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ :
__________________
(١) هنا تعرض قضية : «الإيمان يزيد وينقص» وهي قضية من قضايا الفرق وقضايا علم الكلام في فترة الترف العقلي والفراغ من الاهتمامات العملية الجادة .. فلا ندخل نحن الآن فيها!!!
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
