الأنظمة السياسية الحاكمة ، أو قهرها حتى تدفع الجزية وتعلن استسلامها والتخلية بين جماهيرها وهذه العقيدة تعتنقها أو لا تعتنقها بكامل حريتها ..
* والسمة الثالثة : هي أن هذه الحركة الدائبة ، والوسائل المتجددة ، لا تخرج هذا الدين عن قواعده المحددة ، ولا عن أهدافه المرسومة. فهو منذ اليوم الأول ـ سواء وهو يخاطب العشيرة الأقربين ، أو يخاطب قريشا ، أو يخاطب العرب أجمعين ، أو يخاطب العالمين ، إنما يخاطبهم بقاعدة واحدة ؛ ويطلب منهم الانتهاء إلى هدف واحد .. هو إخلاص العبودية لله ، والخروج من العبودية للعباد .. لا مساومة في هذه القاعدة ولا لين. ثم يمضي إلى تحقيق هذا الهدف الواحد ، في خطة مرسومة ؛ ذات مراحل محددة ؛ لكل مرحلة وسائلها المتجددة. على نحو ما أسلفنا في الفقرة السابقة.
* والسمة الرابعة : هي ذلك الضبط التشريعي للعلاقات بين المجتمع المسلم وسائر المجتمعات الأخرى ـ على النحو الملحوظ في ذلك التلخيص الجيد الذي نقلناه عن «زاد المعاد». وقيام ذلك الضبط على أساس أن الإسلام لله هو الأصل العالمي الذي على البشرية كلها أن تفيء إليه ؛ أو أن تسالمه بجملتها فلا تقف لدعوته بأي حائل من نظام سياسي ، أو قوة مادية. وأن تخلي بينه وبين كل فرد ، يختاره أو لا يختاره بمطلق إرادته. ولكن لا يقاومه ولا يحاربه! فإن فعل ذلك أحد كان على الإسلام أن يقاتله حتى يقتله أو حتى يعلن استسلامه!
* * *
والمهزومون روحيا وعقليا ممن يكتبون عن «الجهاد في الإسلام» ليدفعوا عن الإسلام هذا «الاتهام!» .. يخلطون بين منهج هذا الدين في النص على استنكار الإكراه على العقيدة ، وبين منهجه في تحطيم القوى السياسية المادية التي تحول بين الناس وبينه ؛ والتي تعبد الناس للناس ؛ وتمنعهم من العبودية لله .. وهما أمر ان لا علاقة بينهما ولا مجال للالتباس فيهما .. ومن أجل هذا التخليط ـ وقبل ذلك من أجل تلك الهزيمة! ـ يحاولون أن يحصروا الجهاد في الإسلام فيما يسمونه اليوم : «الحرب الدفاعية» .. والجهاد في الإسلام أمر آخر لا علاقة له بحروب الناس اليوم ، ولا بواعثها ، ولا تكييفها كذلك .. إن بواعث الجهاد في الإسلام ينبغي تلمسها في طبيعة «الإسلام» ذاته ، ودوره في هذه الأرض ، وأهدافه العليا التي قررها الله ؛ وذكر الله أنه أرسل من أجلها هذا الرسول بهذه الرسالة ، وجعله خاتم النبيين وجعلها خاتمة الرسالات ..
إن هذا الدين إعلان عام لتحرير «الإنسان» في «الأرض» من العبودية للعباد ـ ومن العبودية لهواه أيضا وهي من العبودية للعباد ـ وذلك بإعلان ألوهية الله وحده ـ سبحانه ـ وربوبيته للعالمين .. إن إعلان ربوبية الله وحده للعالمين معناها : الثورة الشاملة على حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها ؛ والتمرد الكامل على كل وضع في أرجاء الأرض الحكم فيه للبشر بصورة من الصور .. أو بتعبير آخر مرادف : الألوهية فيه للبشر في صورة من الصور .. ذلك أن الحكم الذي مرد الأمر فيه إلى البشر ، ومصدر السلطات فيه هم البشر ، هو تأليه للبشر ، يجعل بعضهم لبعض أربابا من دون الله .. إن هذا الإعلان معناه انتزاع سلطان الله المغتصب ورده إلى الله ؛ وطرد المغتصبين له ؛ الذين يحكمون الناس بشرائع من عند أنفسهم فيقومون منهم مقام الأرباب ؛ ويقوم الناس منهم مقام العبيد .. إن معناه تحطيم مملكة البشر لإقامة مملكة الله في الأرض .. أو بالتعبير القرآني الكريم :
(وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ) ..
(إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ .. ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ..) ..
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
