يقرر أن من يهديه الله ـ وفق سنته التي صورناها في الفقرة السابقة ـ فهو المهتدي حقا ، الواصل يقينا ، الذي يعرف الطريق ، ويسير على الصراط ، ويصل إلى الفلاح في الآخرة .. وأن الذي يضله الله ـ وفق سنته تلك ـ فهو الخاسر الذي خسر كل شيء ولم يربح شيئا .. مهما ملك ، ومهما أخذ ؛ فكل ذلك هباء أو هواء! وإنه لذلك إذا نظرنا إليه من زاوية أن هذا الضال قد خسر نفسه. وماذا يأخذ وماذا يكسب من خسر نفسه؟!
* * *
ويؤيد ما ذهبنا إليه في فهم الآية السابقة وأخواتها نص الآية التالية :
(وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ. لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ، وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها .. أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ .. أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ) ..
إن هؤلاء الكثيرين من الجن والإنس مخلوقون لجهنم! وهم مهيأون لها! فما بالهم كذلك؟
هنالك اعتباران :
الاعتبار الأول : أنه مكشوف لعلم الله الأزلي أن هؤلاء الخلق صائرون إلى جهنم .. وهذا لا يحتاج إلى بروز العمل الذي يستحقون به جهنم إلى عالم الواقع الفعلي لهم. فعلم الله سبحانه شامل محيط غير متوقف على زمان ولا على حركة ينشأ بعدها الفعل في عالم العباد الحادث.
والاعتبار الثاني : أن هذا العلم الأزلي ـ الذي لا يتعلق بزمان ولا حركة في عالم العباد الحادث ـ ليس هو الذي يدفع هذه الخلائق إلى الضلال الذي تستحق به جهنم. إنما هم كما تنص الآية :
(لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ، وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها) ..
فهم لم يفتحوا القلوب التي أعطوها ليفقهوا ـ ودلائل الإيمان والهدى حاضرة في الوجود وفي الرسالات تدركها القلوب المفتوحة والبصائر المكشوفة ـ وهم لم يفتحوا أعينهم ليبصروا آيات الله الكونية. ولم يفتحوا آذانهم ليسمعوا آيات الله المتلوة .. لقد عطلوا هذه الأجهزة التي وهبوها ولم يستخدموها .. لقد عاشوا غافلين لا يتدبرون :
(أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ ، أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ) ..
والذين يغفلون عما حولهم من آيات الله في الكون وفي الحياة ؛ والذين يغفلون عما يمر بهم من الأحداث والغير فلا يرون فيها يد الله .. أولئك كالأنعام بل هم أضل .. فللأنعام استعدادات فطرية تهديها. أما الجن والإنس فقد زودوا بالقلب الواعي والعين المبصرة والأذن الملتقطة. فإذا لم يفتحوا قلوبهم وأبصارهم وأسماعهم ليدركوا. إذا مروا بالحياة غافلين لا تلتقط قلوبهم معانيها وغاياتها ؛ ولا تلتقط أعينهم مشاهدها ودلالاتها ؛ ولا تلتقط آذانهم إيقاعاتها وإيحاءاتها .. فإنهم يكونون أضل من الأنعام الموكولة إلى استعداداتها الفطرية الهادية .. ثم هم يكونون من ذرء جهنم! يجري بهم قدر الله إليها وفق مشيئته حين فطرهم باستعداداتهم تلك ، وجعل قانون جزائهم هذا. فكانوا ـ كما هم في علم الله القديم ـ حصب جهنم منذ كانوا!
* * *
وبعد استعراض مشهد الميثاق الكوني بالتوحيد ؛ واستعراض مثل المنحرف عن هذا الميثاق وعن آيات الله بعد إذ آتاه الله إياها .. يعقب بالتوجيه الآمر بإهمال المنحرفين ـ الذين كانوا يتمثلون في المشركين الذين كانوا
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
