إِلهاً واحِداً) أي الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام. وما حلله فهو الحلال ، وما شرعه اتبع ، وما حكم به نفذ) ..
فهذا قول السدي وذاك قول ابن كثير .. وكلاهما يقرر في حسم وصرامة ووضوح ـ مستمدة من حسم النص القرآني وصرامته ووضوحه ، ومن حسم التفسير النبوي للقرآن وصرامته ووضوحه كذلك ـ أن من أطاع بشرا في شريعة من عند نفسه ، ولو في جزئية صغيرة ، فإنما هو مشرك. وإن كان في الأصل مسلما ثم فعلها فإنما خرج بها من الإسلام إلى الشرك أيضا .. مهما بقي بعد ذلك يقول : أشهد أن لا إله إلا الله بلسانه. بينما هو يتلقى من غير الله ، ويطيع غير الله.
وحين ننظر إلى وجه الأرض اليوم ـ في ضوء هذه التقريرات الحاسمة ـ فإننا نرى الجاهلية والشرك ـ ولا شيء غير الجاهلية والشرك ـ إلا من عصم الله ، فأنكر على الأرباب الأرضية ما تدعيه من خصائص الألوهية ؛ ولم يقبل منها شرعا ولا حكما ... إلا في حدود الإكراه ..
فأما الحكم الفقهي المستفاد من قوله تعالى : (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ..) فيما يتعلق بحل الذبائح وحرمتها عند التسمية وعدم التسمية فقد لخصها ابن كثير في التفسير في هذه الفقرات قال :
«استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب إلى أن الذبيحة لا تحل إذا لم يذكر اسم الله عليها ، وإن كان الذابح مسلما» ..
«وقد اختلف الأئمة رحمهمالله في هذه المسألة على ثلاثة أقوال :
«فمنهم من قال : لا تحل هذه الذبيحة بهذه الصفة. وسواء متروك التسمية عمدا أو سهوا. وهو مروي عن ابن عمر ، ونافع مولاه ، وعامر الشعبي ، ومحمد بن سيرين. وهو رواية عن الإمام مالك ، ورواية عن أحمد بن حنبل ، نصرها طائفة من أصحابه المتقدمين والمتأخرين. وهو اختيار أبي ثور ، وداود الظاهري. واختار ذلك أبو الفتوح محمد بن محمد بن علي الطائي من متأخري الشافعية في كتابه الأربعين ، واحتجوا لمذهبهم بهذه الآية ، وبقوله في آية الصيد : (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ) .. ثم قد أكد ذلك بقوله : (وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) والضمير قيل : عائد على الأكل ، وقيل : عائد على الذبح لغير الله. وبالأحاديث الواردة في الأمر بالتسمية عند الذبيحة والصيد ، كحديثي عدي بن حاتم وأبي ثعلبة : «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك». وهما في الصحيحين. وحديث رافع بن خديج : «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه». وهو في الصحيحين أيضا ...
«والمذهب الثاني في المسألة : أنه لا يشترط التسمية ، بل هي مستحبة ، فإن تركها عمدا أو نسيانا لا يضر. وهذا مذهب الإمام الشافعي ، رحمهالله ، وجميع أصحابه. ورواية عن الإمام أحمد نقلها عنه حنبل. وهو رواية عن الإمام مالك ، ونص على ذلك أشهب بن عبد العزيز من أصحابه. وحكي عن ابن عباس ، وأبي هريرة ، وعطاء بن أبي رباح. والله أعلم. وحمل الشافعي الآية الكريمة : (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) على ما ذبح لغير الله كقوله تعالى : (أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ). وقال ابن جريج عن عطاء : (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) .. قال : ينهى عن ذبائح كانت تذبحها قريش للأوثان ، وينهى عن ذبائح المجوس .. وهذا المسلك الذي طرقه الإمام الشافعي قوي ...
«وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي ، حدثنا يحيى بن المغيرة ، أنبأنا جرير ، عن عطاء ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في الآية : (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ) قال : هي الميتة. وقد استدل لهذا المذهب بما رواه
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
