إنها العدوى تصيب الأرواح كما تصيب الأجسام! ولكنها لا تصيبها حتى يكون لديها الاستعداد والتهيؤ والقابلية. وطبيعة بني إسرائيل ـ كما عرضها القرآن الكريم عرضا صادقا دقيقا أمينا في شتى المناسبات ـ طبيعة مخلخلة العزيمة ، ضعيفة الروح ، ما تكاد تهتدي حتى تضل ، وما تكاد ترتفع حتى تنحط ، وما تكاد تمضي في الطريق المستقيم حتى ترتكس وتنتكس .. ذلك إلى غلظ في الكبد ، وتصلب عن الحق ، وقساوة في الحس والشعور! وهاهم أولاء على طبيعتهم تلك ، هاهم أولاء ما يكادون يمرون بقوم يعكفون على أصنام لهم حتى ينسوا تعليم أكثر من عشرين عاما منذ أن جاءهم موسى ـ عليهالسلام ـ بالتوحيد ـ فقد ذكرت بعض الروايات أنه أمضى في مصر ثلاثة وعشرين عاما منذ أن واجه فرعون وملأه برسالته إلى يوم الخروج من مصر مجتازا ببني إسرائيل البحر ـ بل حتى ينسوا معجزة اللحظة التي أنقذتهم من فرعون وملئه وأهلكت هؤلاء أجمعين! وهؤلاء كانوا وثنيين ، وباسم هذه الوثنية استذلوهم ـ حتى إن الملأ من قوم فرعون ليهيجونه على موسى ومن معه بقولهم : (أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ؟) .. ينسون هذا كله ليطلبوا إلى نبيهم : رسول رب العالمين أن يتخذ لهم بنفسه .. آلهة! ولو أنهم هم اتخذوا لهم آلهة لكان الأمر أقل غرابة من أن يطلبوا إلى رسول رب العالمين أن يتخذ لهم آلهة .. ولكنما هي إسرائيل! ..
ويغضب موسى ـ عليهالسلام ـ غضبة رسول رب العالمين ، لرب العالمين ـ يغضب لربه ـ سبحانه ـ ويغار على ألوهيته أن يشرك بها قومه! فيقول قولته التي تليق بهذا الطلب العجيب :
(قالَ : إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) ..
ولم يقل تجهلون ماذا؟ ليكون في إطلاق اللفظ ما يعني الجهل الكامل الشامل .. الجهل من الجهالة ضد المعرفة ، والجهل من الحماقة ضد العقل! فما ينبعث مثل هذا القول إلا من الجهالة والحمق إلى أبعد الحدود! ثم ليشير إلى أن الانحراف عن التوحيد إلى الشرك إنما ينشأ من الجهل والحماقة ؛ وأن العلم والتعقل يقود كلاهما إلى الله الواحد ؛ وأنه ما من علم ولا عقل يقود إلى غير هذا الطريق ..
إن العلم والعقل يواجهان هذا الكون بنواميسه التي تشهد بوجود الخالق المدبر ؛ وبوحدانية هذا الخالق المدبر. فعنصر التقدير والتدبير بارز في هذه النواميس ، وطابع الوحدة ظاهر كذلك فيها وفي آثارها التي يكشفها النظر والتدبر ـ وفق المنهج الصحيح ـ وما يغفل عن ذلك كله ، أو يعرض عن ذلك كله ، إلا الحمقى والجهال. ولو ادعوا «العلم» كما يدعيه الكثيرون!
ويمضي موسى ـ عليهالسلام ـ يكشف لقومه عن سوء المغبة فيما يطلبون ، بالكشف عن سوء عقبى القوم الذين رأوهم يعكفون على أصنام لهم ، فأرادوا أن يقلدوهم :
(إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ ، وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) ..
إن ما هم فيه من شرك ، وعكوف على الآلهة ، وحياة تقوم على هذا الشرك ، وتتعدد فيها الأرباب ، ومن يقوم وراء الأرباب من السدنة والكهنة ، ومن حكام يستمدون سلطانهم من هذا الخليط .. إلى آخر ما يتبع الانحراف عن الألوهية الواحدة من فساد في التصورات وفساد في الحياة .. إن هذا كله هالك باطل ؛ ينتظره ما ينتظر كل باطل من الهلاك والدمار في نهاية المطاف!
ثم ترتفع نغمة الغيرة في كلمات موسى ـ عليهالسلام ـ على ربه والغضب له ـ سبحانه ـ والتعجب من نسيان قومه لنعمة الله عليهم ـ وهي حاضرة ظاهرة ـ :
(قالَ : أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ؟) ..
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
