من الإسرائيليات والأقوال والروايات التي لا أصل لها ؛ والتي تسربت ـ مع الأسف ـ إلى التفاسير القديمة كلها ، حتى ما ينجو منها تفسير واحد من هذه التفاسير ؛ وحتى إن تفسير الإمام ابن جرير الطبري ـ على نفاسة قيمته ـ وتفسير ابن كثير كذلك ـ على عظيم قدره ـ لم ينجوا من هذه الظاهرة الخطيرة ..
وقد وردت روايات شتى في شأن هذه الآيات عن ابن عباس ، وعن سعيد بن جبير ، وعن قتادة ، وعن ابن إسحاق .. رواها أبو جعفر ابن جرير الطبري في تاريخه وفي تفسيره. وهذه واحدة منها :
«حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا يعقوب القمي ، عن جعفر بن المغيرة ، عن سعيد بن جبير قال : لما أتى موسى فرعون قال له : أرسل معي بني إسرائيل ، فأبى عليه ، فأرسل الله عليهم الطوفان ـ وهو المطر ـ فصب عليهم منه شيئا ، فخافوا أن يكون عذابا ، فقالوا لموسى : ادع لنا ربك أن يكشف عنا المطر فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل! فدعا ربه ، فلم يؤمنوا ، ولم يرسلوا معه بني إسرائيل ؛ فأنبت لهم في تلك السنة شيئا لم ينبته قبل ذلك من الزرع والثمر والكلأ. فقالوا : هذا ما كنا نتمنى! فأرسل الله عليهم الجراد فسلطه على الكلأ ، فلما رأوا أثره في الكلأ عرفوا أنه لا يبقي الزرع. فقالوا : يا موسى ادع لنا ربك فيكشف عنا الجراد فنؤمن لك ، ونرسل معك بني إسرائيل! فدعا ربه ، فكشف عنهم الجراد ، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل! فداسوا (١) وأحرزوا في البيوت ، فقالوا : قد أحرزنا! فأرسل الله عليهم القمل ـ وهو السوس الذي يخرج منه ـ فكان الرجل يخرج عشرة أجربة إلى الرحى فلا يرد منها ثلاثة أقفزة (٢). فقالوا : يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا القمل ، فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل! فدعا ربه فكشف عنهم ، فأبوا أن يرسلوا معه بني إسرائيل. فبينا هو جالس عند فرعون ، إذ سمع نقيق ضفدع ، فقال لفرعون : ما تلقى أنت وقومك من هذا! فقال : وما عسى أن يكون كيد هذا؟! فما أمسوا حتى كان الرجل يجلس إلى ذقنه في الضفادع ، ويهم أن يتكلم فتثب الضفادع في فيه. فقالوا لموسى : ادع لنا ربك يكشف عنا هذه الضفادع ، فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل! فكشف عنهم فلم يؤمنوا. فأرسل الله عليهم الدم ، فكانوا ما استقوا من الأنهار والآبار ، أو ما كان في أوعيتهم ، وجدوه دما عبيطا (٣). فشكوا إلى فرعون فقالوا : إنا قد ابتلينا بالدم ، وليس لنا شراب! فقال : إنه قد سحركم! فقالوا : من أين سحرنا ، ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئا من الماء إلا وجدناه دما عبيطا؟ فأتوه فقالوا : يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم ، فنؤمن لك ، ونرسل معك بني إسرائيل! فدعا ربه ، فكشف عنهم ، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل».
والله أعلم أي ذلك كان .. والصورة التي جاءت بها هذه الآيات لا يؤثر اختلافها في طبيعة هذه الآيات. فالله ـ سبحانه ـ أرسلها بقدره ، في وقت معين ، ابتلاء لقوم معينين ؛ وفق سنته في أخذ المكذبين بالضراء لعلهم يتضرعون.
ولقد كان قوم فرعون على وثنيتهم وجاهليتهم ؛ وعلى استخفاف فرعون بهم لفسقهم ، يلجأون إلى موسى ـ عليهالسلام ـ ليدعو ربه بما عهد عنده ، ليكشف عنهم البلاء .. وإن كانت السلطات الحاكمة بعد ذلك تنكث ولا تستجيب. لأنها تقوم على ربوبية فرعون للبشر ؛ وتفزع من ربوبية الله لهم. إذ أن ذلك معناه هدم نظام الحكم الذي يقوم على حاكمية فرعون لا حاكمية الله! .. أما أهل الجاهلية الحديثة فإن الله يسلط
__________________
(١) داسوا : درسوا.
(٢) الجريب والقفيز مكيالان للحبوب ، والجريب أربعة أقفزة.
(٣) عبيطا : طريا.
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
