هلاك الطاغوت وأهله ، واستخلاف الصابرين المستعينين بالله وحده. فيدفع قومه دفعا إلى الطريق لتجري بهم سنة الله إلى ما يريد .. وهو يعلمهم ـ منذ البدء ـ أن استخلاف الله لهم إنما هو ابتلاء لهم. ليس أنهم أبناء الله وأحباؤه ـ كما زعموا ـ فلا يعذبهم بذنوبهم! وليس جزافا بلا غاية. وليس خلودا بلا توقيت. إنه استخلاف للامتحان : (فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) .. وهو سبحانه يعلم ماذا سيكون قبل أن يكون. ولكنها سنة الله وعدله ألا يحاسب البشر حتى يقع منهم في العيان ، ما هو مكشوف من الغيب لعلمه القديم.
* * *
ويدع السياق موسى وقومه ؛ ويسدل عليهم الستار ، ليرفعه من الجانب الآخر على مشهد سادس : مشهد فرعون وآله ، يأخذهم الله بعاقبة الظلم والطغيان ؛ ويحقق وعد موسى لقومه ، ورجاءه في ربه ؛ ويصدق النذير الذي يظلل جو السورة ، وتساق القصة كلها لتصديقه.
ويبدأ المشهد هونا ؛ ولكن العاصفة تتمشى فيه شيئا فشيئا ، فإذا كان قبيل إسدال الستار دمدمت العاصفة ، فدمرت كل شيء ، وعصفت بكل شيء ، وخلا وجه الأرض من الطاغية وذيول الطاغية ، وعلمنا أن بني إسرائيل قد صبروا فلقوا جزاء صبرهم الحسنى ، وأن فرعون وآله فجروا فلقوا جزاء فجورهم الدمار وصدق وعد الله ووعيده ؛ وجرت سنة الله في أخذ المكذبين بالهلاك بعد أخذهم بالضراء والسراء :
(وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ. فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا : لَنا هذِهِ! وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ. أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ ، وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ. وَقالُوا : مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ. فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ .. آياتٍ مُفَصَّلاتٍ .. فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ. وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا : يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ. فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ. فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ. وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها ؛ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ .. بِما صَبَرُوا .. وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ) ..
لقد مضى فرعون وملؤه إذن في جبروتهم ؛ ونفذ فرعون وعيده وتهديده ، فقتل الرجال واستحيا النساء. ولقد مضى موسى وقومه يحتملون العذاب ، ويرجون فرج الله ، ويصبرون على الابتلاء .. وعندئذ .. عند ما نمحص الموقف : إيمان يقابله الكفر. وطغيان يقابله الصبر. وقوة أرضية تتحدى الله .. عندئذ أخذت القوة الكبرى تتدخل سافرة بين المتجبرين والصابرين :
(وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) ..
إنها إشارة التحذير الأولى .. الجدب ونقص الثمرات .. و «السنين» تطلق في اللغة على سني الجدب والشدة والقحط. وهي في أرض مصر ، المخصبة المثمرة المعطاء ، تبدو ظاهرة تلفت النظر ، وتهز القلب ، وتثير القلق ، وتدعو إلى اليقظة والتفكر ؛ لولا أن الطاغوت والذين يستخفهم الطاغوت ـ بفسقهم عن دين الله ـ فيطيعونه ، لا يريدون أن يتدبروا ولا أن يتفكروا ؛ ولا يريدون أن يروا يد الله في جدب الأرض ونقص الثمرات ؛ ولا يريدون أن يتذكروا سنن الله ووعده ووعيده ؛ ولا يريدون أن يعترفوا بأن هناك علاقة وثيقة بين القيم الإيمانية وواقعيات الحياة العملية .. لأن هذه العلاقة من عالم الغيب .. وهم أغلظ حسا وأجهل قلبا من أن يروا وراء الواقع المحسوس ـ الذي تراه البهائم وتحسه ولا ترى غيره ولا تحسه ـ شيئا! وإذا رأوا شيئا من
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
