وإعلان ربوبية الله للعالمين لا يجتمع مع خضوع أحد من العالمين لغير الله ؛ ولا يجتمع مع حاكمية أحد بشريعة من عنده للناس .. والذين يظنون أنهم مسلمون بينما هم خاضعون لشريعة من صنع البشر ـ أي لربوبية غير ربوبية الله ـ واهمون إذا ظنوا لحظة واحدة أنهم مسلمون! إنهم لا يكونون في دين الله لحظة واحدة وحاكمهم غير الله ، وقانونهم غير شريعة الله. إنما هم في دين حاكمهم ذاك. في دين الملك لا في دين الله! وعلى هذه الحقيقة أمر موسى ـ عليهالسلام ـ أن يبني طلبه من فرعون إطلاق بني إسرائيل :
(يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) ... (فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ) ...
مقدمة ونتيجة .. تتلازمان ولا تفترقان ..
ولم تغب على فرعون وملئه دلالة هذا الإعلان. إعلان ربوبية الله للعالمين .. لم يغب عنهم أن هذا الإعلان يحمل في طياته هدم ملك فرعون. وقلب نظام حكمه ، وإنكار شرعيته ، وكشف عدوانه وطغيانه .. ولكن كان أمام فرعون وملئه فرصة أن يظهروا موسى بمظهر الكاذب الذي يزعم أنه رسول من رب العالمين بلا بينة ولا دليل :
(قالَ : إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) ..
ذلك أنه إذا اتضح أن هذا الداعية إلى ربوبية رب العالمين كاذب في دعواه ؛ سقطت دعوته ، وهان أمره ؛ ولم يعد لهذه الدعوة الخطيرة من خطر ـ وصاحبها دعيّ لا بينة عنده ولا دليل!
ولكن موسى يجيب :
(فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ. وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ) ..
إنها المفاجأة! إن العصا تنقلب ثعبانا لا شك في ثعبانيته .. «مبين» .. وكما قيل في سورة أخرى : (فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى) (١) .. ثم إن يده السمراء ـ وقد كان موسى عليهالسلام «آدم» أي مائلا إلى السمرة ـ يخرجها من جيبه فإذا هي بيضاء من غير سوء ، بيضاء ليست عن مرض ، ولكنها المعجزة ، فإذا أعادها إلى جيبه عادت سمراء!
هذه هي البينة والآية على الدعوى التي جاء بها موسى .. إني رسول من رب العالمين.
ولكن هل يستسلم فرعون وملؤه لهذه الدعوى الخطيرة؟ هل يستسلمون لربوبية رب العالمين؟ وعلام إذن يقوم عرش فرعون وتاجه وملكه وحكمه؟ وعلام يقوم الملأ من قومه ومراكزهم التي هي من عطاء فرعون ورسمه وحكمه؟
علام يقوم هذا كله إن كان الله هو «رب العالمين»؟
إنه إن كان الله هو «رب العالمين» فلا حكم إلا لشريعة الله ، ولا طاعة إلا لأمر الله .. فأين يذهب شرع فرعون وأمره إذن ، وهو لا يقوم على شريعة الله ولا يرتكن إلى أمره؟ .. إن الناس لا يكون لهم «رب» آخر يعبدهم لحكمه وشرعه وأمره ، إن كان الله هو ربهم .. إنما يخضع الناس لشرع فرعون وأمره حين يكون ربهم هو فرعون. فالحاكم ـ بأمره وشرعه ـ هو رب الناس. وهم في دينه أيا كان!
كلا! إن الطاغوت لا يستسلم هكذا من قريب. ولا يسلم ببطلان حكمه وعدم شرعية سلطانه بمثل هذه السهولة!
__________________
(١) علماء الحيوان يفرقون بين «الثعابين» و «الحيات» ولكنهما من فصيلة واحدة ..
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
