كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ)(١٣٧)
يتضمن هذا الدرس قصة موسى ـ عليهالسلام ـ مع فرعون وملئه. من حلقة مواجهتهم بربوبية الله للعالمين ، إلى حلقة إغراقهم أجمعين. وما بين هذه وتلك من المباراة مع السحرة. وغلبة الحق على الباطل. وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون. وتوعد فرعون لهم بالعذاب والتقتيل والتنكيل. واستعلان الحق في نفوسهم على هذا التوعد وانتصار العقيدة في قلوبهم على حب الحياة. ثم ماتلا ذلك من التنكيل ببني إسرائيل. وأخذ الله لفرعون وملئه بالسنين ونقص من الثمرات. ثم أخذهم بالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وهم يستغيثون بموسى في كل مرة أن يدعو ربه ليرفع عنهم العذاب. حتى إذا رفع عنهم عادوا لما كانوا فيه ؛ وأعلنوا أنهم لن يؤمنوا مهما جاءهم من الآيات. حتى حقت عليهم كلمة الله في النهاية فأغرقوا في اليم بتكذيبهم بآيات الله وغفلتهم عن حكمة ابتلائه ـ وفق السنة الجارية في أخذ المكذبين بالضراء والسراء قبل أخذهم بالدمار والهلاك ـ ثم إعطاء الخلافة في الأرض لقوم موسى جزاء على صبرهم واجتيازهم ابتلاء الشدة .. لتعقبها فتنة الرخاء ..
وقد اخترنا أن نجعل هذا القطاع من القصة درسا ؛ ونجعل القطاع الآخر الخاص بقصة موسى ـ عليهالسلام ـ مع قومه بعد ذلك درسا يليه لاختلاف طبيعة القطاعين ، واختلاف مجالهما كذلك ..
والقصة تبدأ هنا بمجمل عن بدئها ونهايتها ، يوحي بالغرض الذي جاءت من أجله في سياق هذه السورة (١) :
(ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ ، فَظَلَمُوا بِها ، فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) ..
فيصرح النص بالغرض من سياقة القصة في هذا الموضع .. إنه النظر إلى عاقبة المفسدين .. وبعد ذلك الإجمال الموحي بالغاية ، تعرض الحلقات التي تفي بهذه الغاية ، وتصورها تفصيلا.
والقصة تقطع إلى مشاهد حية ، تموج بالحركة وبالحوار ، وتزخر بالانفعالات والسمات ، وتتخللها التوجيهات إلى مواضع العبرة في السياق ، وتكشف عن طبيعة المعركة بين الدعوة إلى (رَبِّ الْعالَمِينَ) وبين الطواغيت المتسلطة على عباد الله ، المدعية للربوبية من دون الله ، كما تتجلى روعة العقيدة حين تستعلن ، فلا تخشى سلطان الطواغيت ، ولا تحفل التهديد والوعيد الشديد ..
* * *
(ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ ، فَظَلَمُوا بِها ، فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) ..
بعد تلك القرى وما حل بها وبالمكذبين من أهلها ، كانت بعثة موسى .. والسياق يعرض القصة من حلقة مواجهة فرعون وملئه بالرسالة ، ثم يعجل بالكشف عن خلاصة استقبالهم لها. كما يعجل بالإشارة إلى العاقبة التي انتهوا إليها. لقد ظلموا بهذه الآيات ـ أي كفروا وجحدوا ـ والتعبير القرآني يكثر من ذكر كلمة «الظلم» وكلمة «الفسق» في موضع كلمة «الكفر» أو كلمة «الشرك». وهذه من تلك المواضع التي يكثر
__________________
(١) يراجع بتوسع فصل : «القصة في القرآن» في كتاب : «التصوير الفني في القرآن». «دار الشروق».
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
