(عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا. رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ. وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ) ..
وهنا نشهد ذلك المشهد الباهر : مشهد تجلي حقيقة «الألوهية» في نفس ولي الله ونبيه ..
إنه يعرف مصدر القوة ، وملجأ الأمان. ويعلم أن ربه هو الذي يفصل بالحق بين الإيمان والطغيان. ويتوكل على ربه وحده في خوض المعركة المفروضة عليه وعلى المؤمنين معه ، والتي ليس منها مفر. إلا بفتح من ربه ونصر.
عندئذ يتوجه الملأ الكفار من قومه إلى المؤمنين به يخوفونهم ويهددونهم. ليفتنوهم عن دينهم : (وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ : لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ) ..
إنها ملامح المعركة التي تتكرر ولا تتغير .. إن الطواغيت يتوجهون أولا إلى الداعية ليكف عن الدعوة. فإذا استعصم بإيمانه وثقته بربه ، واستمسك بأمانة التبليغ وتبعته ، ولم يرهبه التخويف بالذي يملكه الطغاة من الوسائل .. تحولوا إلى الذين اتبعوه يفتنونهم عن دينهم بالوعيد والتهديد ، ثم بالبطش والعذاب .. إنهم لا يملكون حجة على باطلهم ، ولكن يملكون أدوات البطش والإرهاب ؛ ولا يستطيعون إقناع القلوب بجاهليتهم ـ وبخاصة تلك التي عرفت الحق فما عادت تستخف بالباطل ـ ولكنهم يستطيعون البطش بالمصرين على الإيمان ، الذي أخلصوا الدينونة لله فأخلصوا له السلطان.
ولكنه من سنة الله الجارية أنه عند ما يتمحض الحق والباطل ، ويقفان وجها لوجه في مفاصلة كاملة تجري سنة الله التي لا تتخلف .. وهكذا كان ..
(فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ، فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ) ..
الرجفة والجثوم ، جزاء التهديد والاستطالة ، وبسط الأيدي بالأذى والفتنة ..
ويرد السياق على قولتهم : (لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ) .. وهي التي قالوها مهددين متوعدين للمؤمنين بالخسارة! فيقرر ـ في تهكم واضح ـ أن الخسران لم يكن من نصيب الذين اتبعوا شعيبا ، إنما كان من نصيب قوم آخرين :
(الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا. الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ) ..
ففي ومضة ها نحن أولاء نراهم في دارهم جاثمين. لا حياة ولا حراك. كأن لم يعمروا هذه الدار ، وكأن لم يكن لهم فيها آثار!
ويطوي صفحتهم مشيعة بالتبكيت والإهمال ، والمفارقة والانفصال ، من رسولهم الذي كان أخاهم ، ثم افترق طريقه عن طريقهم ، فافترق مصيره عن مصيرهم ، حتى لم يعد يأسى على مصيرهم الأليم ، وعلى ضيعتهم في الغابرين :
(فَتَوَلَّى عَنْهُمْ ، وَقالَ : يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ ، فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ؟) ..
إنه من ملة وهم من ملة. فهو أمة وهم أمة. أما صلة الأنساب والأقوام ، فلا اعتبار لها في هذا الدين ، ولا وزن لها في ميزان الله .. فالوشيجة الباقية هي وشيجة هذا الدين ، والارتباط بين الناس إنما يكون في حبل الله المتين ..
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
