احتجاب المرأة هو الذي ينشر هذه الفاحشة الشاذة في المجتمعات! ولكن شهادة الواقع تخرق العيون. ففي أوربا وأمريكا لم يبق ضابط واحد للاختلاط الجنسي الكامل بين كل ذكر وكل أنثى ـ كما في عالم البهائم! ـ وهذه الفاحشة الشاذة يرتفع معدلها بارتفاع الاختلاط ولا ينقص! ولا يقتصر على الشذوذ بين الرجال ؛ بل يتعداه إلى الشذوذ بين النساء .. ومن لا تخرق عينيه هذه الشهادة فليقرأ : «السلوك الجنسي عند الرجال» و «السلوك الجنسي عند النساء» في تقرير «كنزي» الأمريكي .. ولكن هذه الأجهزة الموجهة ما تزال تردد هذه الأكذوبة ، وتسندها إلى حجاب المرأة. لتؤدي ما تريده بروتوكولات صهيون ، ووصايا مؤتمرات المبشرين! (١)
ونعود إلى قوم لوط! فيتجلى لنا الانحراف مرة أخرى في جوابهم لنبيهم :
(وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا : أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ ، إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ)!
يا عجبا! أو من يتطهر يخرج من القرية إخراجا ، ليبقى فيها الملوثون المدنسون؟!
ولكن لما ذا العجب؟ وماذا تصنع الجاهلية الحديثة؟ أليست تطارد الذين يتطهرون ، فلا ينغمسون في الوحل الذي تنغمس فيه مجتمعات الجاهلية ـ وتسميه تقديمة وتحطيما للأغلال عن المرأة وغير المرأة ـ أليست تطاردهم في أرزاقهم وأنفسهم وأموالهم وأفكارهم وتصوراتهم كذلك ؛ ولا تطيق أن تراهم يتطهرون ؛ لأنها لا تتسع ولا ترحب إلا بالملوثين الدنسين القذرين؟! إنه منطق الجاهلية في كل حين!!
وتعرض الخاتمة سريعا بلا تفصيل ولا تطويل كالذي يجيء في السياقات الأخرى :
(فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ ـ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ ـ وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً ، فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) ..
إنها النجاة لمن تهددهم العصاة. كما أنها هي الفصل بين القوم على أساس العقيدة والمنهج. فامرأته ـ وهي ألصق الناس به ـ لم تنج من الهلاك. لأن صلتها كانت بالغابرين المهلكين من قومه في المنهج والاعتقاد.
وقد أمطروا مطرا مهلكا مع ما صاحبه من عواصف .. ترى كان هذا المطر المغرق ، والماء الدافق ، لتطهير الأرض من ذلك الدنس الذي كانوا فيه ، والوحل الذي عاشوا وماتوا فيه؟!
على أية حال لقد طويت صفحة أخرى من صحائف المكذبين المجرمين!
* * *
ونأتي للصفحة الأخيرة من صحائف الأقوام المكذبة في تلك الحقبة من التاريخ .. صفحة مدين وأخيهم شعيب :
(وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً ، قالَ : يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ ، قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ، فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ ، وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ ، وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً ، وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ ، وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ. وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا ، وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ) (٢) ..
__________________
(١) يراجع كتاب : «هل نحن مسلمون» وكتاب : «التطور والثبات في حياة البشرية» لمحمد قطب. «دار الشروق».
(٢) إلى هنا ينتهي الجزء الثامن.
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
