ولكن الضعاف لم يعودوا ضعافا! لقد سكب الإيمان بالله القوة في قلوبهم ، والثقة في نفوسهم ، والاطمئنان في منطقهم .. إنهم على يقين من أمرهم ، فماذا يجدي التهديد والتخويف؟ وماذا تجدي السخرية والاستنكار .. من الملأ المستكبرين؟ :
(قالُوا : إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ).
ومن ثم يعلن الملأ عن موقفهم في صراحة تحمل طابع التهديد :
(إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ) ..
على الرغم من البينة التي جاءهم بها صالح. والتي لا تدع ريبة لمستريب .. إنه ليست البينة هي التي تنقص الملأ للتصديق .. إنه السلطان المهدد بالدينونة للرب الواحد .. إنها عقدة الحاكمية والسلطان ، إنها شهوة الملك العميقة في الإنسان! إنه الشيطان الذي يقود الضالين من هذا الخطام!
وأتبعوا القول بالعمل ، فاعتدوا على ناقة الله التي جاءتهم آية من عنده على صدق نبيه في دعواه ؛ والتي حذرهم نبيهم أن يمسوها بسوء فيأخذهم عذاب أليم :
(فَعَقَرُوا النَّاقَةَ ، وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ ؛ وَقالُوا : يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) ..
إنه التبجح الذي يصاحب المعصية. ويعبر عن عصيانهم بقوله : «عتوا» لإبراز سمة التبجح فيها ، وليصور الشعور النفسي المصاحب لها. والذي يعبر عنه كذلك ذلك التحدي باستعجال العذاب والاستهتار بالنذير : ولا يستأني السياق في إعلان الخاتمة ، ولا يفصل كذلك :
(فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ، فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ) ..
والرجفة والجثوم ، جزاء مقابل للعتو والتبجح. فالرجفة يصاحبها الفزع ، والجثوم مشهد للعجز عن الحراك. وما أجدر العاتي أن يرتجف ، وما أجدر المعتدي أن يعجز. جزاء وفاقا في المصير. وفي التعبير عن هذا المصير بالتصوير.
ويدعهم السياق على هيئتهم .. «جاثمين» .. ليرسم لنا مشهد صالح الذي كذبوه وتحدوه :
(فَتَوَلَّى عَنْهُمْ ، وَقالَ : يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ ، وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ).
إنه الإشهاد على أمانة التبليغ والنصح ؛ والبراءة من المصير الذي جلبوه لأنفسهم بالعتو والتكذيب.
.. وهكذا تطوى صفحة أخرى من صحائف المكذبين. ويحق النذير بعد التذكير على المستهزئين ..
* * *
وتمضي عجلة التاريخ ، فيظلنا عهد إبراهيم ـ عليهالسلام ـ ولكن السياق لا يتعرض هنا لقصة إبراهيم. ذلك أن السياق يتحرى مصارع المكذبين ؛ متناسقا مع ما جاء في أول السورة : (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها ، فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ) .. وهذا القصص إنما هو تفصيل لهذا الإجمال في إهلاك القرى التي كذبت بالنذير .. وقوم إبراهيم لم يهلكوا لأن إبراهيم ـ عليهالسلام ـ لم يطلب من ربه هلاكهم. بل اعتزلهم وما يدعون من دون الله .. إنما تجيء هنا قصة قوم لوط ـ ابن أخي إبراهيم ـ ومعاصره ، بما فيها من إنذار وتكذيب وإهلاك. يتمشى مع ظلال السياق ، على طريقة القرآن :
(وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ : أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ؟ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ ـ شَهْوَةً ـ مِنْ دُونِ النِّساءِ. بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ. وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا : أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ ، إِنَّهُمْ
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
