ولقد رأينا من عماهم عن الهدى والنصح المخلص والنذير .. فبعماهم هذا كذبوا .. وبعماهم لاقوا هذا المصير!
* * *
وتمضي عجلة التاريخ ، ويمضي معها السياق ، فإذا نحن أمام عاد قوم هود :
(وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً ، قالَ : يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ ، أَفَلا تَتَّقُونَ؟ قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ : إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ ، وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ. قالَ : يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ. أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي ، وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ. أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ؟ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ ، وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً ، فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. قالُوا : أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا؟ فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. قالَ : قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ ، أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ؟ فَانْتَظِرُوا ، إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ. فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا ، وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ، وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ).
إنها نفس الرسالة ، ونفس الحوار ، ونفس العاقبة .. إنها السنة الماضية ، والناموس الجاري ، والقانون الواحد ..
إن قوم عاد هؤلاء من ذراري نوح والذين نجوا معه في السفينة ، وقيل : كان عددهم ثلاثة عشر .. وما من شك أن أبناء هؤلاء المؤمنين الناجين في السفينة كانوا على دين نوح عليهالسلام ـ وهو الإسلام ـ كانوا يعبدون الله وحده ، ما لهم من إله غيره ، وكانوا يعتقدون أنه رب العالمين ، فهكذا قال لهم نوح : (وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ) .. فلما طال عليهم الأمد ، وتفرقوا في الأرض ، ولعب معهم الشيطان لعبة الغواية ، وقادهم من شهواتهم ـ وفي أولها شهوة الملك وشهوات المتاع ـ وفق الهوى لا وفق شريعة الله ، عاد قوم هود يستنكرون أن يدعوهم نبيهم إلى عبادة الله وحده من جديد :
(وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً ، قالَ : يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ. أَفَلا تَتَّقُونَ؟) ..
القولة التي قالها نوح من قبله ، والتي كذب بها قومه ، فأصابهم ما أصابهم ، واستخلف الله عادا من بعدهم ـ ولا يذكر هنا أين كان موطنهم ، وفي سورة أخرى نعلم أنهم كانوا بالأحقاف ، وهي الكثبان المرتفعة على حدود اليمن ما بين اليمامة وحضر موت ـ وقد ساروا في الطريق الذي سار فيه من قبل قوم نوح ، فلم يتذكروا ولم يتدبروا ما حل بمن ساروا في هذا الطريق ، لذلك يضيف هود في خطابه لهم قوله : (أَفَلا تَتَّقُونَ؟) استنكارا لقلة خوفهم من الله ومن ذلك المصير المرهوب.
وكأنما كبر على الملأ الكبراء من قومه أن يدعوهم واحد من قومهم إلى الهدى ، وأن يستنكر منهم قلة التقوى ؛ ورأوا فيه سفاهة وحماقة ، وتجاوزا للحد ، وسوء تقدير للمقام! فانطلقوا يتهمون نبيهم بالسفاهة وبالكذب جميعا في غير تحرج ولا حياء :
(قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ : إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ ، وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ) ..
هكذا جزافا بلا تزوّ ولا تدبر ولا دليل!
(قالَ : يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ، وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ. أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ) ..
![في ظلال القرآن [ ج ٣ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3880_fi-zilal-alquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
