فحسبنا هذا القدر هنا .. وحسبنا الإيحاءات القوية العميقة التي تفيض بها النصوص ذاتها ، وتسكبها في القلوب المستنيرة (١).
* * *
(وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ ، وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) ..
ختام هذه الفقرة التي قدمت طبيعة الرسالة وطبيعة الرسول في هذه النصاعة الواضحة. كما قدمت هذه العقيدة عارية من كل زخرف ؛ وفصلت الاعتبارات والقيم التي جاءت هذه العقيدة لتلغيها من حياة البشرية ؛ والاعتبارات والقيم التي جاءت لتقررها ..
(وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ) ..
بمثل هذا المنهج ، وبمثل هذه الطريقة ، وبمثل هذا البيان والتفصيل .. نفصل الآيات ، التي لا تدع في هذا الحق ريبة ؛ ولا تدع في هذا الأمر غموضا ؛ ولا تبقى معها حاجة لطلب الخوارق ؛ فالحق واضح ، والأمر بين ، بمثل ذلك المنهج الذي عرض السياق القرآني منه ذلك النموذج ..
على أن كل ما سبق في السورة من تفصيل لدلائل الهدى وموحيات الإيمان ؛ ومن بيان للحقائق وتقرير للوقائع ، يعتبر داخلا في مدلول قوله تعالى :
(وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ) ..
أما ختام هذه الآية القصيرة :
(وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) ..
فهو شأن عجيب! .. إنه يكشف عن خطة المنهج القرآني في العقيدة والحركة بهذه العقيدة! إن هذا المنهج لا يعنى ببيان الحق وإظهاره حتى تستبين سبيل المؤمنين الصالحين فحسب. إنما يعنى كذلك ببيان الباطل وكشفه حتى تستبين سبيل الضالين المجرمين أيضا .. إن استبانة سبيل المجرمين ضرورية لاستبانة سبيل المؤمنين. وذلك كالخط الفاصل يرسم عند مفرق الطريق!
إن هذا المنهج هو المنهج الذي قرره الله ـ سبحانه ـ ليتعامل مع النفوس البشرية .. ذلك أن الله سبحانه يعلم أن إنشاء اليقين الاعتقادي بالحق والخير يقتضي رؤية الجانب المضاد من الباطل والشر ؛ والتأكد من أن هذا باطل ممحض وشر خالص ؛ وأن ذلك حق ممحض وخير خالص .. كما أن قوة الاندفاع بالحق لا تنشأ فقط من شعور صاحب الحق أنه على الحق ؛ ولكن كذلك من شعوره بأن الذي يحاده ويحاربه إنما هو على الباطل .. وأنه يسلك سبيل المجرمين ؛ الذين يذكر الله في آية أخرى أنه جعل لكل نبي عدوا منهم (وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ) .. ليستقر في نفس النبي ونفوس المؤمنين ، أن الذين يعادونهم إنما هم المجرمون ؛ عن ثقة ، وفي وضوح ، وعن يقين.
إن سفور الكفر والشر والإجرام ضروري لوضوح الإيمان والخير والصلاح. واستبانة سبيل المجرمين هدف من أهداف التفصيل الرباني للآيات. ذلك أن أي غبش أو شبهة في موقف المجرمين وفي سبيلهم ترتد
__________________
(١) لاستكمال بعض جوانب الرؤية لهذه الحقيقة الكبيرة ، يراجع تفسير قوله تعالى : (عَبَسَ وَتَوَلَّى ، أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ...) في الجزء الثلاثين من هذه الظلال.
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
