الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) .. (وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) إلى آخر الآية.
وقال : حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي ، قال : حدثنا أبي ، حدثنا أسباط ، عن السدي ، عن أبي سعيد الأزدي ـ وكان قارئ الأزد ـ عن أبي الكنود ، عن خباب في قول الله تعالى ذكره : (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) .. إلى قوله : (فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) .. قال : جاء الأقرع ابن حابس التميمي ، وعيينة بن حصن الفزاري ، فوجد النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب ، في أناس من الضعفاء من المؤمنين. فلما رأوهم حقروهم. فأتوه فقالوا : إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا العرب به فضلنا ، فإن وفود العرب تأتيك ، فنستحيي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد ؛ فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا ؛ فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت! قال : نعم! قالوا : فاكتب لنا عليك بذلك كتابا. قال : فدعا بالصحيفة ، ودعا عليا ليكتب. قال : ونحن قعود في ناحية ، إذ نزل جبريل بهذه الآية : (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ، وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ ، فَتَطْرُدَهُمْ ، فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) .. ثم قال : (وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا : أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا؟ أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ؟) .. ثم قال : (وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ : سَلامٌ عَلَيْكُمْ ، كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) .. فألقى رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ الصحيفة من يده ؛ ثم دعانا فأتيناه وهو يقول : (سَلامٌ عَلَيْكُمْ ، كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) .. فكنا نقعد معه ، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا. فأنزل الله تعالى : (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ، وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا) .. (سورة الكهف : ٢٨) قال : فكان رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ يقعد معنا بعد ، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم (١)!
وكان ـ صلىاللهعليهوسلم ـ بعدها إذا رآهم بدأهم بالسلام ، وقال : «الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني ربي أن أبدأ هم بالسلام».
وفي صحيح مسلم : عن عائذ بن عمرو ، أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال ، ونفر. فقالوا : والله ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها! قال : فقال أبو بكر : أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فأتى النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فأخبره. فقال : «يا أبا بكر ، لعلك أغضبتهم. لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك». فأتاهم أبو بكر فقال : يا إخوتاه ، أغضبتكم؟ قالوا : لا. يغفر الله لك يا أخي ..
* * *
نحن في حاجة إلى وقفة طويلة أمام هذه النصوص .. والبشرية بجملتها في حاجة إلى هذه الوقفة كذلك .. إن هذه النصوص لا تمثل مجرد مبادئ وقيم ونظريات في «حقوق الإنسان!» .. إنها أكبر من ذلك بكثير .. إنها تمثل شيئا هائلا تحقق في حياة البشرية فعلا .. تمثل نقلة واسعة نقلها هذا الدين للبشرية بجملتها .. تمثل خطا وضيئا على الأفق بلغته هذه البشرية ذات يوم في حياتها الحقيقية .. ومهما يكن من تراجع البشرية عن هذا الخط الوضيء الذي صعدت إليه في خطو ثابت على حداء هذا الدين ، فإن هذا لا يقلل من عظمة تلك النقلة ؛ ومن ضخامة هذا الشيء الذي تحقق يوما ؛ ومن أهمية هذا الخط الذي ارتسم بالفعل في حياة البشر
__________________
(١) عقب ابن كثير في تفسيره على هذا الحديث قال : «وهذا حديث غريب ، فإن هذه الآية مكية ، والأقرع بن حابس وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر» .. ولم أجد لهذا التعقيب وجها. فإن قولهما هذا إنما كان قبل إسلامهما قطعا. فهما لا يقولان ما قالا وهما مسلمان! ومن ثم فلا تعارض بين هذه الرواية وبين أن إسلامهما كان بعد الهجرة بدهر. فهما أعرضا عن الإسلام يومها حيث لم يستجب لقولهما ..
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
