والعقل بمصاحبة وحي الله وهداه بصير ، وبترك وحي الله وهداه أعمى ، واقتران الحديث عن تلقي الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ من الوحي وحده ، بالإشارة إلى العمى والبصر ، بالسؤال التحضيضي على التفكير :
(إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ : هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ : أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ؟) ..
اقتران الإشارات وتتابعها على هذا النحو في السياق ، أمر ذو دلالة في التعبير القرآني .. فالتفكر مطلوب ، والحض عليه منهج قرآني ؛ ولكنه التفكر المضبوط بضابط الوحي ، الذي يمضي معه مبصرا في النور ؛ لا مطلق التفكر الذي يخبط في الظلام أعمى ، بلا دليل ولا هدى ولا كتاب منير ..
والعقل البشري حين يتحرك في اطار الوحي لا يتحرك في مجال ضيق ، إنما يتحرك في مجال واسع جدا .. يتحرك في مجال هو هذا الوجود كله ، الذي يحتوي عالم الشهادة وعالم الغيب أيضا ؛ كما يحتوي أغوار النفس ومجالي الأحداث ، ومجالات الحياة جميعا .. فالوحي لا يكف العقل عن شيء إلا عن انحراف المنهج ، وسوء الرؤية والتواء الأهواء والشهوات! وبعد ذلك يدفعه إلى الحركة والنشاط دفعا. فهذه الأداة العظيمة التي وهبها الله للإنسان .. العقل .. إنما وهبها له لتعمل وتنشط في حراسة الوحي والهدى الرباني .. فلا تضل إذن ولا تطغى ..
* * *
(وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ. وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ، ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ، وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ. فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ. وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا : أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا؟ أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ؟ وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ : سَلامٌ عَلَيْكُمْ ، كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ : أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ، ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ ، فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ..
إنها عزة هذه العقيدة ، واستعلاؤها على قيم الأرض الزائفة ، وتخلصها من الاعتبارات البشرية الصغيرة .. لقد أمر رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ أن يقدمها للناس دون زخرف ولا طلاء ؛ ودون إطماع في شيء من قيم الأرض ولا إغراء .. كذلك أمر أن يوجه عنايته إلى من يرجى منهم الانتفاع بالدعوة ، وأن يؤوي إليه الذين يتلقونها مخلصين ؛ ويتجهون بقلوبهم إلى الله وحده يريدون وجهه ؛ وألا يقيم وزنا بعد ذلك لشيء من قيم المجتمع الجاهلي الزائفة ؛ ولا لشيء من اعتبارات البشر الصغيرة :
(وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ ، لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) ..
أنذر به هؤلاء الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ، حالة أن ليس من دونه ولي ينصرهم ولا شفيع يخلصهم. ذلك أنه ما من شفيع يشفع عند الله إلا بإذنه ، وهو لا يشفع يومئذ ـ بعد الإذن ـ إلا لمن ارتضى الله أن يشفع عند الله فيهم .. فهؤلاء الذين تستشعر قلوبهم خوف ذلك اليوم الذي ليس فيه ـ من دون الله ـ ولي ولا شفيع ، أحق بالإنذار ، وأسمع له ، وأكثر انتفاعا به .. لعلهم أن يتوقوا في حياتهم الدنيا ما يعرضهم لعذاب الله في الآخرة. فالإنذار بيان كاشف كما أنه مؤثر موح. بيان يكشف لهم ما يتقونه ويحذرونه ، ومؤثر يدفع قلوبهم للتوقي والحذر ؛ فلا يقعون فيما نهوا عنة بعد ما تبين لهم :
(وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) ..
لا تطرد هؤلاء الذين أخلصوا نفوسهم لله ؛ فاتجهوا لعبادته ودعائه في الصباح والمساء ؛ يريدون وجهه
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
