الدعوات والصلوات! ولكنهما ـ نبوءة السحر ونبوءة الكهانة ـ تخالفان نبوة الجذب والجنون المقدس. لأن الساحر والكاهن يدريان بما يطلبان ، ويريدان قصدا ما يطلبانه بالعزائم والصلوات ، ولكن المصاب بالجذب أو الجنون المقدس مغلوب على أمره ، ينطلق لسانه بالعبارات المبهمة وهو لا يعنيها ، ولعله لا يعيها. ويكثر بين الأمم التي تشيع فيها نبوة الجذب أن يكون مع المجذوب مفسر يدعي العلم بمغزى كلامه ، ولحن رموزه وإشاراته. وقد كانوا في اليونان يسمون المجذوب «مانتي» «Manti» ويسمون المفسر : «بروفيت» «Prophet» أي المتكلم بالنيابة عن غيره. ومن هذه الكلمة نقل الأوربيون كلمة النبوة بجميع معانيها. وقلما يتفق الكهنة والمجذوبون ، إلا أن يكون الكاهن متوليا للتفسير والتعبير عن مقاصد المجذوب ، ومضامين رموزه وإشاراته. ويحدث في أكثر الأحيان أن يختلفا ويتنازعا لأنهما مختلفان بوظيفتهما الاجتماعية مختلفان بطبيعة النشأة والبيئة. فالمجذوب ثائر لا يتقيد بالمراسم والأوضاع المصطلح عليها ، والكاهن محافظ يتلقى علمه الموروث في أكثر الأحيان من آبائه وأجداده. وتتوقف الكهانة على البيئة التي تنشأ فيها الهياكل والصوامع المقصودة في الأرجاء القريبة والبعيدة ؛ ولا يتوقف الجذب على هذه البيئة ، لأنه قد يعتري صاحبه في البرية ، كما يعتريه في الحاضر المقصود من أطراف البلاد» (١).
«وقد كثر عدد الأنبياء في قبائل بني إسرائيل كثرة يفهم منها أنهم كانوا في أزمنتهم المتعاقبة يشبهون في العصور الحديثة أصحاب الأذكار ، ودراويش الطرق الصوفية ، لأنهم جاوزوا المئات في بعض العهود ، واصطنعوا من الرياضة في جماعاتهم ما يصطنعه هؤلاء الدراويش من التوسل إلى حالة الجذب تارة بتعذيب الجسد ، وتارة بالاستماع إلى آلات الطرب.
«جاء في كتاب صموئيل الأول :
أن شاول أرسل لأخذ داود رسلا .. «فرأوا جماعة الأنبياء يتنبأون ، وشاول واقف بينهم رئيسا عليهم. فهبط روح الله على رسل شاول ، فتنبأواهم أيضا. وأرسل غيرهم فتنبأ هؤلاء ... فخلع هو أيضا ثيابه ، وتنبأ هو أيضا أمام صموئيل ، وانتزع عاريا ذلك النهار كله وكل الليل» ..
«وجاء في كتاب صموئيل كذلك :
«... أنك تصادف زمرة من الأنبياء نازلين من الأكمة ، وأمامهم رباب ودف وناي وعود ، وهم يتنبأون ، فيحل عليهم روح الرب ، فتتنبأ معهم ، وتتحول إلى رجل آخر.
«وكانت النبوة صناعة وراثية يتلقاها الأبناء من الآباء كما جاء في سفر الملوك الثاني : «إذ قال بنو الأنبياء يا ليشع : هوذا الموضع الذي نحن مقيمون فيه أمامك قد ضاق علينا ، فلنذهب إلى الأردن».
«وكانت لهم خدمة تلحق بالجيش في بعض المواضع ، كما جاء في سفر الأيام الأول. حيث قيل : إن داود ورؤساء الجيش أفرزوا للخدمة بني أساف وغيرهم من المتنبئين بالعيدان والرباب والصنوج» (٢) ...
__________________
(١) عن كتاب : «حقائق الإسلام وأباطيل خصومه» للأستاذ العقاد ص ٦٠ .. ونحن ننقل عن الكتاب ما نستشهد به في هذا الموضع دون إقرار لمنهج المؤلف في تقريره لتطور صورة الألوهية وصورة النبوة في الأديان ـ بما فيها الأديان السماوية ـ حتى بلغت كمالها في الإسلام. فهذه الصورة واحدة في جميع الأديان السماوية الصحيحة. ولا عبرة بما دخل عليها من التحريف بعد ارتداد أهلها إلى الجاهلية ، وتحريفهم لما جاءهم به الرسل ، وإخضاعه لتصوراتهم الجاهلية .. والقرآن الكريم ، وهو أصدق سجل ، يقرر هذا الذي نقول. ولا عبرة بما يقوله علماء الأديان الغربيون في هذا من الفروض والظنون!
(٢) المصدر السابق ٦٦.
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
