أن تجري سنة الله بلا عمل منهم ولا كد. فإنهم حينئذ لا يمثلون الحق ، ولا يكونون أهله .. وهم كسالى قاعدون .. والحق لا يتمثل إلا في أمة تقوم لتقر حاكمية الله في الأرض ، وتدفع المغتصبين لها من الذين يدعون خصائص الألوهية .. هذا هو الحق الأول ، والحق الأصيل .. (وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) ..
* * *
بعد ذلك يقف السياق القرآني المشركين بالله ، أمام بأس الله ، في ذوات أنفسهم ، في أسماعهم وأبصارهم وقلوبهم ، وهم عاجزون عن رده ، وهم لا يجدون كذلك إلها غير الله ، يرد عليهم أسماعهم وأبصارهم وقلوبهم إن أخذها الله منهم :
(قُلْ : أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ ، مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ؟ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ!) ..
وهو مشهد تصويري يجسم لهم عجزهم أمام بأس الله من جانب ، كما يصور لهم حقيقة ما يشركون به من دون الله في موقف الجد من جانب .. ولكن هذا المشهد يهزهم من الأعماق .. إن خالق الفطرة البشرية يعلم أنها تدرك ما في هذا المشهد التصويري من جد ، وما وراءه من حق .. أنها تدرك أن الله قادر على أن يفعل بها هذا. قادر على أن يأخذ الأسماع والأبصار ، وأن يختم على القلوب ، فلا تعود هذه الأجهزة تؤدي وظائفها. وأنه ـ إن فعل ذلك ـ فليس هناك من إله غيره يرد بأسه ..
وفي ظلال هذا المشهد ، الذي يبعث بالرجفة في القلوب والأوصال ، ويقرر في الوقت ذاته تفاهة عقيدة الشرك ، وضلال اتخاذ الأولياء من دون الله .. في ظلال هذا المشهد يعجب من أمر هؤلاء الذين يصرف لهم الآيات ، وينوعها ، ثم هم يميلون عنها كالبعير الذي يصدف أي يميل بخفه إلى الجانب الوحشي الخارجي من مرض يصيبه!
(انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ، ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ!) ..
وهو تعجيب مصحوب بمشهد الصدوف! المعروف عند العرب ، والذي يذكرهم بمشهد البعير المؤوف (١)! فيثير في النفس السخرية والاستخفاف والعزوف!
* * *
وقبل أن يفيقوا من تأثير ذلك المشهد المتوقع يتلقاهم بتوقع جديد ، ليس على الله ببعيد ، يريهم فيه مصارعهم ـ وهم الظالمون : أي المشركون ـ وهو يرسم مصارع الظالمين حين يباغتهم عذاب الله أو يواجههم ؛ وحين يأتيهم على غرة أو وهم مستيقظون:
(قُلْ : أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً ، هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ؟) ..
إن عذاب الله يأتي في أية صورة وفي أية حالة. وسواء جاءهم العذاب بغتة وهم غارون لا يتوقعونه ، أو جاءهم جهرة وهم صاحون متأهبون. فإن الهلاك سيحل بالقوم الظالمين ـ أي المشركين كغالبية التعبير في القرآن الكريم ـ وسينالهم هم دون سواهم. ولن يدفعوه عن أنفسهم سواء جاءهم بغتة أو جهرة. فهم أضعف من أن يدفعوه ولو واجهوه! ولن يدفعه عنهم أحد ممن يتولونهم من الشركاء. فكلهم من عبيد الله الضعفاء!
__________________
(١) يراجع بتوسع : فصل : «التخييل الحسي والتجسيم» وفصل : «طريقة القرآن» في كتاب : «التصوير الفني في القرآن» «دار الشروق».
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
