الموعد المرسوم .. والله لا يعجل لأن الأذى والتكذيب يلحق بالدعاة ـ ولو كانوا هم الرسل ـ فإن استسلام صاحب الدعوة نفسه لقدر الله بلا عجلة ، وصبره على الأذى بلا تململ ، ويقينه في العاقبة بلا شك .. كلها مطلوبة من وراء تأجيل النصر إلى موعده المرسوم.
ويحدد هذا التوجيه القرآني دور الرسول في هذا الدين ـ ودور الدعاة بعده في كل جيل ـ إنه التبليغ ، والمضي في الطريق ، والصبر على مشاق الطريق .. أما هدى الناس أو ضلالهم فهو خارج عن حدود واجبه وطاقته .. والهدى والضلال إنما يتبعان سنة إلهية لا تتبدل ، ولا يغير منها رغبة الرسول في هداية من يحب ، كما لا يغير منها ضيقه ببعض من يعاند ويحارب .. إن شخصه لا اعتبار له في هذه القضية ، وحسابه ليس على عدد المهتدين ، إنما حسابه على ما أدى وما صبر وما التزم ، وما استقام كما أمر .. وأمر الناس بعد ذلك إلى رب الناس .. (مَنْ يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) .. (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى) ..
(إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ) وقد بينا من قبل علاقة مشيئة الله الطليقة في الهدى والضلال باتجاه الناس وجهادهم. بما فيه الكفاية.
من هنا لا ينبغي لصاحب الدعوة إلى هذا الدين ، أن يستجيب لاقتراحات المقترحين ممن يوجه إليهم الدعوة ، في تحوير منهج دعوته عن طبيعته الربانية ؛ ولا أن يحاول تزيين هذا الدين لهم وفق رغباتهم وأهوائهم وشهواتهم .. ولقد كان المشركون يطلبون الخوارق ـ وفق مألوف زمانهم ومستوى مداركهم كما حكى عنهم القرآن في مواضع منه شتى ، منها في هذه السورة (وَقالُوا : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ!) .. (وَقالُوا : لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) .. (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها) .. وفي السور الأخرى ما هو أشد إثارة للعجب من هذه الاقتراحات. ذلك كالذي حكاه عنهم في سورة الإسراء : (وَقالُوا : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً. أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً. أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ ـ كَما زَعَمْتَ ـ عَلَيْنا كِسَفاً ، أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً. أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ ، أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ. وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ!) .. وكالذي حكاه عنهم في سورة الفرقان : (وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ ، لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ ، فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً. أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ ، أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها!) ..
والتوجيه القرآني المباشر في هذه الموجة من السورة نهى رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ والمؤمنين أن يرغبوا في إتيانهم بآية ـ أية آية ـ مما يطلبون. وقيل للرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ : (وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ، وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى ، فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ. إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ، وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ، ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) .. وقيل للمؤمنين الذين رغبت نفوسهم في الاستجابة للمشركين في طلبهم آية عند ما أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها! قيل لهم : (قُلْ : إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ ، وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ. وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ) .. ليعلموا أولا أن الذي ينقص المكذبين ليس هو الآية والدليل على الحق ، ولكن الذي ينقصهم أنهم لا يسمعون ، وأنهم موتى ، وأن الله لم يقسم لهم الهدى ـ وفق سنة الله في الهدى والضلال كما أسلفنا ـ ثم ليعلموا كذلك أن هذا الدين يجري وفق سنة لا تتبدل ، وأنه أعز من أن يصبح تحت رغبات المقترحين وأهوائهم!
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
