(عَفَا اللهُ عَنْها وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ. قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ) ..
كان بعضهم يكثر على رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ من السؤال عن أشياء لم يتنزل فيها أمر أو نهي. أو يلحف في طلب تفصيل أمور أجملها القرآن ، وجعل الله في إجمالها سعة للناس. أو في الاستفسار عن أمور لا ضرورة لكشفها فإن كشفها قد يؤذي السائل عنها أو يؤذي غيره من المسلمين.
وروي أنه لما نزلت آية الحج سأل سائل : أفي كل عام؟ فكره رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ هذا السؤال لأن النص على الحج جاء مجملا : «ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا» والحج مرة يجزي. فأما السؤال عنه أفي كل عام فهو تفسير له بالصعب الذي لم يفرضه الله.
وفي حديث مرسل رواه الترمذي والدار قطني عن علي رضي الله عنه قال : لما نزلت هذه الآية : (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) قالوا : يا رسول الله أفي كل عام؟ فسكت. فقالوا : أفي كل عام؟ قال : «لا. ولو قلت نعم لوجبت» فأنزل الله :
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) .. إلخ الآية.
وأخرجه الدار قطني أيضا عن أبي عياض عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ : «يا أيها الناس كتب عليكم الحج». فقام رجل فقال : أفي كل عام يا رسول الله؟ فأعرض عنه ، ثم عاد فقال : أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال : «ومن القائل؟» قالوا : فلان. قال : «والذي نفسي بيده لو قلت : نعم. لوجبت. ولو وجبت ما أطقتموها. ولو لم تطيقوها لكفرتم». فأنزل الله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) ..
وفي حديث أخرجه مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه ، عن النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ : «... فو الله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا (١)» فقام إليه رجل فقال : أين مدخلي يا رسول الله؟ قال : «النار» فقام عبد الله بن حذافة فقال : «من أبي يا رسول الله؟ فقال : «أبوك حذافة» .. قال ابن عبد البر : عبد الله بن حذافة أسلم قديما ، وهاجر إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية ، وشهد بدرا ، وكانت فيه دعابة! وكان رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ أرسله إلى كسرى بكتاب رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ولما قال : من أبي يا رسول الله؟ قال «أبوك حذافة» قالت أمه : ما سمعت بابن أعق منك. أأمنت أن تكون أمك قارفت ما يقارف نساء الجاهلية فتفضحها على أعين الناس؟! فقال : والله لو ألحقني بعبد أسود للحقت به ..
وفي رواية لابن جرير ـ بسنده ـ عن أبي هريرة قال : خرج رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ وهو غضبان محمار وجهه حتى جلس على المنبر. فقام إليه رجل فقال : أين أنا؟ قال : «في النار» فقام آخر فقال : من أبي؟ فقال : «أبوك حذافة» فقام عمر بن الخطاب ، فقال : رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ـ صلىاللهعليهوسلم ـ نبيا وبالقرآن إماما. إنا يا رسول الله حديثو عهد بجاهلية وشرك ، والله أعلم من آباؤنا. قال : فسكن غضبه ، ونزلت هذه الآية (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) .. الآية.
وروى مجاهد عن ابن عباس أنها نزلت في قوم سألوا رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ عن البحيرة والسائبة والوصيلة والحام. وهو قول سعيد بن جبير. وقال : ألا ترى أن بعده : (ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ)»؟
__________________
(١) في رواية أخرى لابن جرير ـ عن أنس ـ أنهم سألوا رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ حتى أحفوه في المسألة فقال هذا الذي قال.
وهناك رواية أخرى لابن جرير عن أبي هريرة سنذكرها في صلب السياق.
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
