«إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها ، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة».
وبعد ، فإنها ليست منطقة الأمان في الزمان والمكان وحدهما. وليس رواق الأمن الذي يشمل الحيوان والإنسان وحدهما .. إنما هي كذلك منطقة الأمان في الضمير البشري .. ذلك المصطرع المترامي الأطراف في أغوار النفس البشرية .. هذا المصطرع الذي يثور ويفور فيطغى بشواظه وبدخانه على المكان والزمان ، وعلى الإنسان والحيوان! .. إنها منطقة السلام والسماحة في ذلك المصطرع ، حتى ليتحرج المحرم أن يمد يده إلى الطير والحيوان. وهما ـ في غير هذه المنطقة ـ حل للإنسان. ولكنهما هنا في المثابة الآمنة. في الفترة الآمنة. في النفس الآمنة .. إنها منطقة المرانة والتدريب للنفس البشرية لتصفو وترق وترف فتتصل بالملأ الأعلى ؛ وتتهيأ للتعامل مع الملأ الأعلى ..
ألا ما أحوج البشرية المفزّعة الوجلة ، المتطاحنة المتصارعة .. إلى منطقة الأمان ، التي جعلها الله للناس في هذا الدين ، وبينها للناس في هذا القرآن!
(ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ، وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ..
تعقيب عجيب في هذا الموضع ؛ ولكنه مفهوم! إن الله يشرع هذه الشريعة ، ويقيم هذه المثابة ، ليعلم الناس أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم .. ليعلموا أنه يعلم طبائع البشر وحاجاتهم ومكنونات نفوسهم وهتاف أرواحهم. وأنه يقرر شرائعه لتلبية الطبائع والحاجات ، والاستجابة للأشواق والمكنونات .. فإذا أحست قلوب الناس رحمة الله في شريعته ؛ وتذوقت جمال هذا التطابق بينها وبين فطرتهم العميقة علموا أن الله يعلم ما في السماوات والأرض وأن الله بكل شيء عليم.
إن هذا الدين عجيب في توافيه الكامل مع ضرورات الفطرة البشرية وأشواقها جميعا ؛ وفي تلبيته لحاجات الحياة البشرية جميعا .. إن تصميمه يطابق تصميمها ؛ وتكوينه يطابق تكوينها. وحين ينشرح صدر لهذا الدين فإنه يجد فيه من الجمال والتجاوب والأنس والراحة ما لا يعرفه إلا من ذاق!
وينتهي الحديث عن الحلال والحرام في الحل والإحرام بالتحذير صراحة من العقاب مع الإطماع في المغفرة والرحمة :
(اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ، وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ..
ومع التحذير إيحاء وإلقاء للتبعة على المخالف الذي لا يثوب :
(ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ ، وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ) ..
ثم تختم الفقرة بميزان يقيمه الله للقيم ، ليزن به المسلم ويحكم. ميزان يرجح فيه الطيب ويشيل الخبيث. كي لا يخدع الخبيث المسلم بكثرته في أي وقت وفي أي حال!
(قُلْ : لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ ؛ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ ، فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ..
إن المناسبة الحاضرة لذكر الخبيث والطيب في هذا السياق ، هي مناسبة تفصيل الحرام والحلال في الصيد والطعام. والحرام خبيث ، والحلال طيب .. ولا يستوي الخبيث والطيب ولو كانت كثرة الخبيث تغر وتعجب. ففي الطيب متاع بلا معقبات من ندم أو تلف ، وبلا عقابيل من ألم أو مرض .. وما في الخبيث من لذة إلا وفي الطيب مثلها على اعتدال وأمن من العاقبة في الدنيا والآخرة .. والعقل حين يتخلص من الهوى بمخالطة التقوى له ورقاقة القلب له ، يختار الطيب على الخبيث ؛ فينتهي الأمر إلى الفلاح في الدنيا والآخرة :
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
