فدل هذا وذلك على أن الخمر تشمل كل مخمر يحدث السكر .. وأنه ليس مقصورا على نوع بعينه. وأن كل ما أسكر فهو حرام.
إن غيبوبة السكر ـ بأي مسكر ـ تنافي اليقظة الدائمة التي يفرضها الإسلام على قلب المسلم ليكون موصولا بالله في كل لحظة ، مراقبا لله في كل خطرة. ثم ليكون بهذه اليقظة عاملا إيجابيا في نماء الحياة وتجددها ، وفي صيانتها من الضعف والفساد ، وفي حماية نفسه وماله وعرضه ، وحماية أمن الجماعة المسلمة وشريعتها ونظامها من كل اعتداء. والفرد المسلم ليس متروكا لذاته وللذاته ؛ فعليه في كل لحظة تكاليف تستوجب اليقظة الدائمة. تكاليف لربه ، وتكاليف لنفسه ، وتكاليف لأهله ، وتكاليف للجماعة المسلمة التي يعيش فيها ، وتكاليف للإنسانية كلها ليدعوها ويهديها. وهو مطالب باليقظة الدائمة لينهض بهذه التكاليف. وحتى حين يستمتع بالطيبات فإن الإسلام يحتم عليه أن يكون يقظا لهذا المتاع ، فلا يصبح عبدا لشهوة أو لذة. إنما يسيطر دائما على رغباته فيلبيها تلبية المالك لأمره .. وغيبوبة السكر لا تتفق في شيء مع هذا الاتجاه.
ثم إن هذه الغيبوبة في حقيقتها إن هي إلا هروب من واقع الحياة في فترة من الفترات ؛ وجنوح إلى التصورات التي تثيرها النشوة أو الخمار. والإسلام ينكر على الإنسان هذا الطريق ويريد من الناس أن يروا الحقائق ، وأن يواجهوها ، ويعيشوا فيها ، ويصرفوا حياتهم وفقها ، ولا يقيموا هذه الحياة على تصورات وأوهام .. إن مواجهة الحقائق هي محك العزيمة والإرادة ؛ أما الهروب منها إلى تصورات وأوهام فهو طريق التحلل ، ووهن العزيمة ، وتذاوب الإرادة. والإسلام يجعل في حسابه دائما تربية الإرادة ، وإطلاقها من قيود العادة القاهرة .. الإدمان .. وهذا الاعتبار كاف وحده من وجهة النظر الإسلامية لتحريم الخمر وتحريم سائر المخدرات .. وهي رجس من عمل الشيطان .. مفسد لحياة الإنسان.
وقد اختلف الفقهاء في اعتبار ذات الخمر نجسة كبقية النجاسات الحسية. أو في اعتبار شربها هو المحرم. والأول قول الجمهور والثاني قول ربيعة والليث بن سعد والمزني صاحب الشافعي وبعض المتأخرين من البغداديين .. وحسبنا هذا القدر في سياق الظلال.
وقد حدث أنه لما نزلت هذه الآيات ، وذكر فيها تحريم الخمر ، ووصفت بأنها رجس من عمل الشيطان أن انطلقت في المجتمع المسلم صيحتان متحدتان في الصيغة ، مختلفتان في الباعث والهدف.
قال بعض المتحرجين من الصحابة : كيف بأصحابنا وقد ماتوا يشربون الخمر .. أو قالوا : فما بال قوم قتلوا في أحد وهي في بطونهم (أي قبل تحريمها).
وقال بعض المشككين الذين يهدفون إلى البلبلة والحيرة .. هذا القول أو ما يشبهه ؛ يريدون أن ينشروا في النفوس قلة الثقة في أسباب التشريع ، أو الشعور بضياع إيمان من ماتوا والخمر لم تحرم ؛ وهي رجس من عمل الشيطان ، ماتوا والرجس في بطونهم!
عندئذ نزلت هذه الآية :
(لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ. ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ، ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا ، وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) ..
نزلت لتقرر أولا أن ما لم يحرّم لا يحرم ؛ وأن التحريم يبدأ من النص لا قبله ؛ وأنه لا يحرم بأثر رجعي ؛ فلا عقوبة إلا بنص ؛ سواء في الدنيا أو في الآخرة ؛ لأن النص هو الذي ينشئ الحكم .. والذين ماتوا والخمر في بطونهم ، وهي لم تحرم بعد ، ليس عليهم جناح ؛ فإنهم لم يتناولوا محرما ؛ ولم يرتكبوا معصية .. لقد
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
