قريش : إن ثأركم بأرض الحبشة. فأهدوا إلى النجاشي وابعثوا له برجلين من ذوي رأيكم يعطيكم من عنده ، فتقتلونهم بمن قتل منكم ببدر. فبعث كفار قريش عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة بهدايا. فسمع رسول الله صلىاللهعليهوسلم بذلك ، فبعث رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ عمرو بن أمية الضمري وكتب معه إلى النجاشي ؛ فقدم على النجاشي ، فقرأ كتاب رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين ، وأرسل إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم. ثم أمر جعفر أن يقرأ عليهم القرآن ، فقرأ سورة «مريم» فقاموا تفيض أعينهم من الدمع. فهم الذين أنزل الله فيهم : (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا : إِنَّا نَصارى) وقرأ إلى «الشاهدين» (رواه أبو داود. قال : حدثنا محمد بن مسلمة المرادي ، قال : حدثنا ابن وهب. قال : أخبرني يونس عن ابن شهاب ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام. وعن سعيد بن المسيب وعن عروة بن الزبير : أن الهجرة الأولى هجرة المسلمين إلى أرض الحبشة. وساق الحديث بطوله.
«وذكر البيهقي عن ابن إسحاق قال : قدم على النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ عشرون رجلا وهو بمكة ، أو قريب من ذلك ، من النصارى حين ظهر خبره ، من الحبشة ، فوجدوه في المسجد ، فكلموه وسألوه ، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة. فلما فرغوا من مسألتهم رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ عما أرادوا ، دعاهم رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ إلى الله عزوجل ، وتلا عليهم القرآن. فلما سمعوه فاضت أعينهم من الدمع ، ثم استجابوا له وآمنوا به وصدقوه ، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره. فلما قاموا من عنده اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش فقالوا : خيبكم الله من ركب! بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم فتأتونهم بخبر الرجل ، فلم تطل مجالستكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال لكم ، ما نعلم ركبا أحمق منكم ـ أو كما قال لهم ـ فقالوا : سلام عليكم لا نجاهلكم ، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ، لا نألو أنفسنا خيرا .. فيقال : إن النفر النصارى من أهل نجران. ويقال : إن فيهم نزلت هؤلاء الآيات : (الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ) إلى قوله : (لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ).
«وقيل : إن جعفرا وأصحابه قدم على النبي صلىاللهعليهوسلم في سبعين رجلا عليهم ثياب الصوف ، فيهم اثنان وستون من الحبشة وثمانية من أهل الشام وهم بحيراء الراهب وإدريس وأشرف وأبرهة وثمامة وقثم ودريد وأيمن. فقرأ عليهم رسول الله صلىاللهعليهوسلم سورة «يس» إلى آخرها ، فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا به ، وقالوا : ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى. فنزلت فيهم (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ، وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا : إِنَّا نَصارى) .. يعني وفد النجاشي. وكانوا أصحاب الصوامع. وقال سعيد بن جبير : وأنزل الله فيهم أيضا (الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ) إلى قوله (أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ) إلى آخر الآية. وقال مقاتل والكلبي كانوا أربعين رجلا من أهل نجران من بني الحرث بن كعب ، واثنين وثلاثين من الحبشة ، وثمانية وستين من أهل الشام. وقال قتادة : نزلت في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى ، فلما بعث الله محمدا صلىاللهعليهوسلم آمنوا به فأثنى الله عليهم».
وهذا الذي نقرره في معنى هذا النص ؛ والذي يدل عليه السياق بذاته ، وتؤيده هذه الروايات التي أسلفنا ، هو الذي يتفق مع بقية التقريرات في هذه السورة وفي غيرها عن موقف أهل الكتاب عامة ـ اليهود والنصارى ـ من هذا الدين وأهله. كما أنه هو الذي يتفق مع الواقع التاريخي الذي عرفته الأمة المسلمة خلال أربعة عشر قرنا.
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
