(يَقُولُونَ : رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ. وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ ، وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ؟) ..
إنهم أولا يعلنون لربهم إيمانهم بهذا الحق الذي عرفوه. ثم يدعونه ـ سبحانه ـ أن يضمهم إلى قائمة الشاهدين لهذا الحق ؛ وأن يسلكهم في سلك الأمة القائمة عليه في الأرض .. الأمة المسلمة ، التي تشهد لهذا الدين بأنه الحق ، وتؤدي هذه الشهادة بلسانها وبعملها وبحركتها لإقرار هذا الحق في حياة البشر .. فهؤلاء الشاهدون الجدد ينضمون إلى هذه الأمة المسلمة ؛ ويشهدون ربهم على إيمانهم بالحق الذي تتبعه هذه الأمة ؛ ويدعونه ـ سبحانه ـ أن يكتبهم في سجلها ..
ثم هم بعد ذلك يستنكرون على أنفسهم أن يعوقهم معوق عن الإيمان بالله ؛ أو أن يسمعوا هذا الحق ثم لا يؤمنوا به ، ولا يأملوا ـ بهذا الإيمان ـ أن يقبلهم ربهم ، ويرفع مقامهم عنده ، فيدخلهم مع القوم الصالحين :
(وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ ، وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ؟) ..
فهو موقف صريح قاطع تجاه ما أنزل الله إلى رسوله من الحق .. موقف الاستماع والمعرفة ، ثم التأثر الغامر والإيمان الجاهر ، ثم الإسلام والانضمام إلى الأمة المسلمة ، مع دعاء الله ـ سبحانه ـ أن يجعلهم من الشاهدين لهذا الحق ؛ الذين يؤدون شهادتهم سلوكا وعملا وجهادا لإقراره في الأرض ، والتمكين له في حياة الناس. ثم وضوح الطريق في تقديرهم وتوحده ؛ بحيث لا يعودون يرون أنه يجوز لهم أن يمضوا إلا في طريق واحد : هو طريق الإيمان بالله ، وبالحق الذي أنزله على رسوله ، والأمل ـ بعد ذلك ـ في القبول عنده والرضوان.
ولا يقف السياق القرآني هنا عند بيان من هم الذين يعنيهم بأنهم أقرب مودة للذين آمنوا من الذين قالوا : إنا نصارى ؛ وعند بيان سلوكهم في مواجهة ما أنزل الله إلى الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ من الحق ؛ وفي اتخاذ موقف إيجابي صريح ، بالإيمان المعلن ، والانضمام إلى الصف المسلم ؛ والاستعداد لأداء الشهادة بالنفس والجهد والمال ؛ والدعاء إلى الله أن يقبلهم في الصف الشاهد لهذا الحق على هذا النحو ؛ مع الطمع في أن يختم لهم بالانضمام إلى موكب الصالحين ..
لا يقف السياق القرآني عند هذا الحد في بيان أمر هؤلاء الذين يقرر أنهم أقرب مودة للذين آمنوا. بل يتابع خطاه لتكملة الصورة ، ورسم المصير الذي انتهوا إليه فعلا :
(فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها. وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ) ..
لقد علم الله صدق قلوبهم وألسنتهم ؛ وصدق عزيمتهم على المضي في الطريق ؛ وصدق تصميمهم على أداء الشهادة لهذا الدين الجديد الذي دخلوا فيه ؛ ولهذا الصف المسلم الذي اختاروه ، واعتبارهم أن أداء هذه الشهادة ـ بكل تكاليفها في النفس والمال ـ منة يمن الله بها على من يشاء من عباده ؛ واعتبارهم كذلك أنه لم يعد لهم طريق يسلكونه إلا هذا الطريق الذي أعلنوا المضي فيه ؛ ورجاءهم في ربهم أن يدخلهم مع القوم الصالحين ..
لقد علم الله منهم هذا كله ؛ فقبل منهم قولهم ، وكتب لهم الجنة جزاء لهم ؛ وشهد لهم ـ سبحانه ـ بأنهم محسنون ، وأنه يجزيهم جزاء المحسنين :
(فَأَثابَهُمُ اللهُ ـ بِما قالُوا ـ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها .. وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ ..).
والإحسان أعلى درجات الإيمان والإسلام .. والله ـ جل جلاله ـ قد شهد لهذا الفريق من الناس أنه من المحسنين.
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
