والمجتمع لا يخلو من الشذوذ ، ولكن طبيعة المجتمع الصالح لا تسمح للشر والمنكر أن يصبحا عرفا مصطلحا عليه ؛ وأن يصبحا سهلا يجترئ عليه كل من يهم به .. وعند ما يصبح فعل الشر أصعب من فعل الخير في مجتمع من المجتمعات ؛ ويصبح الجزاء على الشر رادعا وجماعيا تقف الجماعة كلها دونه ؛ وتوقع العقوبة الرادعة عليه .. عندئذ ينزوي الشر ، وتنحسر دوافعه. وعندئذ يتماسك المجتمع فلا تنحل عراه. وعندئذ ينحصر الفساد في أفراد أو مجموعات يطاردها المجتمع ، ولا يسمح لها بالسيطرة ؛ وعندئذ لا تشيع الفاحشة. ولا تصبح هي الطابع العام!
والمنهج الإسلامي ـ بعرضه لهذه الظاهرة في المجتمع الإسرائيلي ـ في صورة الكراهية والتنديد ، يريد للجماعة المسلمة أن يكون لها كيان حي متجمع صلب ؛ يدفع كل بادرة من بوادر العدوان والمعصية. قبل أن تصبح ظاهرة عامة ؛ ويريد للمجتمع الإسلامي أن يكون صلبا في الحق ، وحساسا تجاه الاعتداء عليه ؛ ويريد للقائمين على الدين أن يؤدوا أمانتهم التي استحفظوا عليها ، فيقفوا في وجه الشر والفساد والطغيان والاعتداء .. ولا يخافوا لومة لائم. سواء جاء هذا الشر من الحكام المتسلطين بالحكم ؛ أو الأغنياء المتسلطين بالمال ؛ أو الأشرار المتسلطين بالأذي ؛ أو الجماهير المتسلطة بالهوى. فمنهج الله هو منهج الله ، والخارجون عليه علوا أم سفلوا سواء.
والإسلام يشدد في الوفاء بهذه الأمانة ؛ فيجعل عقوبة الجماعة عامة بما يقع فيها من شر إذا هي سكتت عليه ؛ ويجعل الأمانة في عنق كل فرد ، بعد أن يضعها في عنق الجماعة عامة.
روى الإمام أحمد ـ بإسناده ـ عن عبد الله بن مسعود ، قال : قال رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ : «لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم ، وواكلوهم وشاربوهم. فضرب الله بعضهم ببعض ، ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم .. (ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون). وكان الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ متكئا فجلس ، فقال : «ولا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا».
وروى أبو داود ـ بإسناده ـ عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ «إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل ، فيقول : يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك. ثم يلقاه من الغد ، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده. فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض» ، ثم قال : «لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم» ـ إلى قوله : «فاسقون» ثم قال : «كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ، ولتأخذن على يد الظالم ، ولتأطرنه على الحق أطرا ـ أو تقصرنه على الحق قصرا ـ»
فليس هو مجرد الأمر والنهي ، ثم تنتهي المسألة ، إنما هو الإصرار ، والمقاطعة ، والكف بالقوة عن الشر والفساد والمعصية والاعتداء.
وروى مسلم ـ بإسناده ـ عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ؛ فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه .. وذلك أضعف الإيمان».
وروى الإمام أحمد ـ بإسناده ـ عن عدي بن عميرة قال ـ سمعت رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ يقول : «إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة ، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم ـ وهم قادرون على أن ينكروه ـ فلا ينكرونه. فإذا فعلوا عذب الله العامة والخاصة».
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
