وقبل أن ننهي هذا التعليق على التقرير القرآني لتلك الحقيقة الكبيرة ، نحب أن نؤكد أهمية التناسق في منهج الله بين الإيمان والتقوى وإقامة المنهج في الحياة الواقعية للناس ، وبين العمل والإنتاج والنهوض بالخلافة في الأرض ؛ فهذا التناسق هو الذي يحقق شرط الله لأهل الكتاب ـ ولكل جماعة من الناس ـ أن يأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم في الدنيا ، وأن تكفر عنهم سيئاتهم ويدخلوا جنات النعيم في الآخرة ؛ وأن يجتمع لهم الفردوس الأرضي ـ بالوفرة والكفاية مع السلام والطمأنينة ـ وفردوس الآخرة بما فيه من نعيم ورضوان ..
ولكننا مع هذا التوكيد لا نحب أن ننسى أن القاعدة الأولى والركيزة الأساسية هي الإيمان والتقوى وتحقيق المنهج الرباني في الحياة الواقعية .. فهذا يتضمن في ثناياه العمل والإنتاج والترقية والتطوير للحياة .. فضلا على أن للصلة بالله مذاقها الذي يغير كل طعوم الحياة ؛ ويرفع كل قيم الحياة ؛ ويقوّم كل موازين الحياة .. فهذا هو الأصل في التصور الإسلامي وفي المنهج الإسلامي ، وكل شيء فيه يجيء تبعا له ، ومنبثقا منه ومعتمدا عليه .. ثم يتم تمام الأمر كله في الدنيا والآخرة في تناسق واتساق.
وينبغي أن نذكر أن الإيمان والتقوى والعبادة والصلة بالله وإقامة شريعة الله في الحياة .. كل أولئك ثمرته للإنسان ، وللحياة الإنسانية. فالله ـ سبحانه ـ غني عن العالمين .. وإذا شدد المنهج الإسلامي في هذه الأسس ، وجعلها مناط العمل والنشاط ؛ ورد كل عمل وكل نشاط لا يقوم عليها ، وعده باطلا لا يقبل ، وحابطا لا يعيش ، وذاهبا مع الريح .. فليس هذا لأن الله سبحانه يناله شيء من إيمان العباد وتقواهم وعبادتهم له وتحقيق منهجه للحياة .. ولكن لأنه ـ سبحانه ـ يعلم أن لا صلاح لهم ولا فلاح إلا بهذا المنهاج ..
في الحديث القدسي : عن أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فيما روى عن ربه ـ تبارك وتعالى ـ أنه قال :
«يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرما ، فلا تظالموا .. يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته ، فاستهدوني أهدكم .. يا عبادي ، كلكم جائع إلا من أطعمته ، فاستطعموني أطعمكم .. يا عبادي ، كلكم عار إلا من كسوته ، فاستكسوني أكسكم .. يا عبادي ، إنكم تخطئون بالليل والنهار ، وأنا أغفر الذنوب جميعا ، فاستغفروني أغفر لكم .. يا عبادي ، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني .. يا عبادي ، لو أن أولكم وآخركم ، وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ، ما زاد ذلك في ملكي شيئا .. يا عبادي ، لو أن أولكم وآخركم ، وإنسكم وجنكم ، كانوا على أفجر قلب رجل واحد ، ما نقص ذلك من ملكي شيئا .. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم ، وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني ، فأعطيت كل إنسان مسألته ، ما نقص ذلك مما عندي ، إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر .. يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ، ثم أوفيكم إياها. فمن وجد خيرا فليحمد الله ؛ ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» .. (رواه مسلم)
وعلى هذا الأساس ينبغي أن ندرك وظيفة الإيمان والتقوى والعبادة وإقامة منهج الله في الحياة والحكم بشريعة الله .. فهي كلها لحسابنا نحن .. لحساب هذه البشرية .. في الدنيا والآخرة جميعا .. وهي كلها ضروريات لصلاح هذه البشرية في الدنيا والآخرة جميعا ..
ونحسب أننا لسنا في حاجة لأن نقول : إن هذا الشرط الإلهي لأهل الكتاب غير خاص بأهل الكتاب. فالشرط لأهل الكتاب يتضمن الإيمان والتقوى وإقامة منهج الله المتمثل في ما أنزل إليهم في التوراة والإنجيل. وما أنزل إليهم من ربهم ـ وذلك بطبيعة الحال قبل البعثة الأخيرة ـ فأولى بالشرط الذين أنزل إليهم القرآن ..
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
