فالقسوة لا بد أن تتمثل في العقوبة حتى يصح تسميتها بهذا الاسم» (١).
والله ـ سبحانه ـ وهو أرحم الراحمين يقول وهو يشدد عقوبة السرقة :
(فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللهِ ..)
فهي تنكيل من الله رادع. والردع عن ارتكاب الجريمة رحمة بمن تحدثه نفسه بها ، لأنه يكفه عنها. ورحمة بالجماعة كلها لأنه يوفر لها الطمأنينة .. ولن يدعي أحد أنه أرحم بالناس من خالق الناس ، إلا وفي قلبه عمى ، وفي روحه انطماس! والواقع يشهد أن عقوبة القطع لم تطبق في خلال نحو قرن من الزمان في صدر الإسلام إلا في آحاد ؛ لأن المجتمع بنظامه ، والعقوبة بشدتها ، والضمانات بكفايتها لم تنتج إلا هذه الآحاد.
ثم يفتح الله باب التوبة لمن يريد أن يتوب ، على أن يندم ويرجع ويكف ؛ ثم لا يقف عند هذه الحدود السلبية ، بل يعمل عملا صالحا ، ويأخذ في خير إيجابي :
(فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ ، فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ، إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ..
فالظلم عمل إيجابي شرير مفسد ؛ ولا يكفي أن يكف الظالم عن ظلمه ويقعد : بل لا بد أن يعوضه بعمل إيجابي خير مصلح .. على أن الأمر في المنهج الرباني أعمق من هذا .. فالنفس الإنسانية لا بد أن تتحرك ، فإذا هي كفت عن الشر والفساد ولم تتحرك للخير والصلاح بقي فيها فراغ وخواء قد يرتدان بها إلى الشر والفساد. فأما حين تتحرك إلى الخير والصلاح فإنها تأمن الارتداد إلى الشر والفساد ؛ بهذه الإيجابية وبهذا الامتلاء .. إن الذي يربّي بهذا المنهج هو الله .. الذي خلق والذي يعلم من خلق ..
وعلى ذكر الجريمة والعقوبة ، وذكر التوبة والمغفرة ، يعقب السياق القرآني بالمبدأ الكلي الذي تقوم عليه شريعة الجزاء في الدنيا والآخرة. فخالق هذا الكون ومالكه هو صاحب المشيئة العليا فيه ، وصاحب السلطان الكلي في مصائره. هو الذي يقرر مصائره ومصائر من فيه ، كما أنه هو الذي يشرّع للناس في حياتهم ، ثم يجزيهم على عملهم في دنياهم وآخرتهم.
(أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
فهي سلطة واحدة .. سلطة الملك .. يصدر عنها التشريع في الدنيا ويصدر عنها الجزاء في الآخرة ، ولا تعدد ولا انقسام ولا انفصام .. ولا يصلح أمر الناس إلا حين تتوحد سلطة التشريع وسلطة الجزاء ، في الدنيا والآخرة سواء .. و (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا) .. (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ) ..
(يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ
__________________
(١) عن كتاب : «التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي» لعبد القادر عودة .. الجزء الأول ص ٦٥٢ ـ ص ٦٥٤.
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
