حين يسرق الشريك من مال شريكه لأن له فيه شركة فليس خالصا للغير. والذي يسرق من بيت مال المسلمين لا يقطع لأن له نصيبا فيه فليس خالصا للغير كذلك .. والعقوبة في مثل هذه الحالات ليست هي القطع ، وإنما هي التعزير .. (والتعزير عقوبة دون الحد ، بالجلد أو بالحبس أو بالتوبيخ أو بالموعظة في بعض الحالات التي يناسبها هذا حسب رأي القاضي والظروف المحيطة).
والقطع يكون لليد اليمنى إلى الرسغ. فإذا عاد كان القطع في الرجل اليسرى إلى الكعب وهذا هو القدر المتفق عليه في القطع .. ثم تختلف بعد ذلك آراء الفقهاء عند الثالثة والرابعة.
والشبهة تدرأ الحد .. فشبهة الجوع والحاجة تدرأ الحد. وشبهة الشركة في المال تدرأ الحد. ورجوع المعترف في اعترافه ـ إذا لم يكن هناك شهود ـ شبهة تدرأ الحد. ونكول الشهود شبهة .. وهكذا ..
ويختلف الفقهاء فيما يعدونه شبهة. فأبو حنيفة مثلا يدرأ الحد في سرقة ما هو مباح الأصل ـ حتى بعد إحرازه ـ كسرقة الماء بعد إحرازه ، وسرقة الصيد بعد صيده ، لأن كليهما مباح الأصل. وإباحة الأصل تورث شبهة في بقائه مباحا بعد إحرازه ، والشركة العامة فيه تورث شبهة في بقاء الشركة بعد الإحراز .. بينما مالك والشافعي وأحمد لا يدرأون الحدّ في مثل هذه الحالة. ويدرأ أبو حنيفة الحدّ في سرقة كل ما يسارع إليه الفساد ، كالطعام الرطب والبقول واللحم والخبز وما أشبه. ويخالفه أبو يوسف ويأخذ برأي الثلاثة.
ولا نملك أن نمضي في تفصيل اختلافات الفقهاء في هذا المجال ، فتطلب في كتب الفقه ؛ وحسبنا هذه الأمثلة للدلالة على سماحة الإسلام وحرصه على ألا يأخذ الناس بالشبهات .. ورسول الله صلىاللهعليهوسلم يقول : «ادرأوا الحدود بالشبهات» وعمر ابن الخطاب يقول : «لأن أعطل الحدود بالشبهات أحب إليّ من أن أقيمها بالشبهات» .. (١)
ولكن لا بد من كلمة في ملاءمة عقوبة القطع في السرقة ؛ بعد بيان موجبات التشدد في أخذ السارق بالحد ، في المجتمع المسلم في دار الإسلام ؛ بعد توافر أسباب الوقاية وضمانات العدالة ..
«وعلة فرض عقوبة القطع للسرقة أن السارق حينما يفكر في السرقة إنما يفكر في أن يزيد كسبه بكسب غيره. فهو يستصغر ما يكسبه عن طريق الحلال ، ويريد أن ينميه من طريق الحرام. وهو لا يكتفي بثمرة عمله ، فيطمع في ثمرة عمل غيره. وهو يفعل ذلك ليزيد من قدرته على الإنفاق أو الظهور ، أو ليرتاح من عناء الكد والعمل. أو ليأمن على مستقبله. فالدافع الذي يدفع إلى السرقة ويرجع إلى هذه الاعتبارات هو زيادة الكسب أو زيادة الثراء .. وقد حاربت الشريعة هذا الدافع في نفس الإنسان بتقرير عقوبة القطع. لأن قطع اليد أو الرجل يؤدي إلى نقص الكسب ، إذ اليد والرجل كلاهما أداة العمل أيا كان. ونقص الكسب يؤدي إلى نقص الثراء. وهذا يؤدي إلى نقص القدرة على الإنفاق وعلى الظهور ، ويدعو إلى شدة الكدح وكثرة العمل ، والتخوف الشديد على المستقبل.
«فالشريعة الإسلامية بتقريرها عقوبة القطع دفعت العوامل النفسية التي تدعو لارتكاب الجريمة بعوامل نفسية مضادة تصرف عن جريمة السرقة. فإذا تغلبت العوامل النفسية الداعية ، وارتكب الإنسان الجريمة مرة كان في العقوبة والمرارة التي تصيبه منها ما يغلب العوامل النفسية الصارفة ، فلا يعود للجريمة مرة ثانية.
«ذلك هو الأساس الذي قامت عليه عقوبة السرقة في الشريعة الإسلامية. وإنه لعمري خير أساس قامت
__________________
(١) يراجع كتاب : التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي لعبد القادر عودة.
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
