إن أقصى ما يتصوره الخيال على أساس الافتراض : هو أن يكون للذين كفروا كل ما في الأرض جميعا. ولكن السياق يفترض لهم ما هو فوق الخيال في عالم الافتراض. فيفرض أن لهم ما في الأرض جميعا ، ومثله معه ؛ ويصورهم يحاولون الافتداء بهذا وذلك ، لينجوا به من عذاب يوم القيامة. ويرسم مشهدهم وهم يحاولون الخروج من النار. ثم عجزهم عن بلوغ الهدف ، وبقاءهم في العذاب الأليم المقيم ..
إنه مشهد مجسم ذو مناظر وحركات متواليات .. منظرهم ومعهم ما في الأرض ومثله معه .. ومنظرهم وهم يعرضونه ليفتدوا به. ومنظرهم وهم مخيبو الطلب غير مقبولي الرجاء .. ومنظرهم وهم يدخلون النار .. ومنظرهم وهم يحاولون الخروج منها .. ومنظرهم وهم يرغمون على البقاء. ويسدل الستار ، ويتركهم مقيمين هناك (١)! وفي نهاية هذا الدرس يرد حكم السرقة :
(وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا ـ نَكالاً مِنَ اللهِ ـ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ، إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ ، وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ..
إن المجتمع المسلم يوفر لأهل دار الإسلام ـ على اختلاف عقائدهم ـ ما يدفع خاطر السرقة عن كل نفس سوية .. إنه يوفر لهم ضمانات العيش والكفاية. وضمانات التربية والتقويم. وضمانات العدالة في التوزيع. وفي الوقت ذاته يجعل كل ملكية فردية فيه تنبت من حلال ؛ ويجعل الملكية الفردية وظيفة اجتماعية تنفع المجتمع ولا تؤذيه .. ومن أجل هذا كله يدفع خاطر السرقة عن كل نفس سوية .. فمن حقه إذن أن يشدد في عقوبة السرقة ، والاعتداء على الملكية الفردية ، والاعتداء على أمن الجماعة .. ومع تشديده فهو يدرأ الحد بالشبهة ؛ ويوفر الضمانات كاملة للمتهم حتى لا يؤخذ بغير الدليل الثابت ..
ولعله من المناسب أن نفصل شيئا في هذا الإجمال ..
إن النظام الإسلامي كل متكامل ، فلا تفهم حكمة الجزئيات التشريعية فيه حق فهمها إلا أن ينظر في طبيعة النظام وأصوله ومبادئه وضماناته. كذلك لا تصلح هذه الجزئيات فيه للتطبيق إلا أن يؤخذ النظام كاملا ؛ ويعمل به جملة. أما الاجتزاء بحكم من أحكام الإسلام ، أو مبدأ من مبادئه ، في ظل نظام ليس كله إسلاميا ، فلا جدوى له ؛ ولا يعد الجزء المقتطع منه تطبيقا للإسلام. لأن الإسلام ليس أجزاء وتفاريق. الإسلام هو هذا النظام المتكامل الذي يشمل تطبيقه كل جوانب الحياة ..
هذا بصفة عامة. أما بالنسبة لموضوع السرقة ، فالأمر لا يختلف ..
إن الإسلام يبدأ بتقرير حق كل فرد ، في المجتمع المسلم في دار الإسلام ، في الحياة. وحقه في كل الوسائل الضرورية لحفظ الحياة .. من حق كل فرد أن يأكل وأن يشرب وأن يلبس وأن يكون له بيت يكنه ويؤويه ، ويجد فيه السكن والراحة .. من حق كل فرد على الجماعة ـ وعلى الدولة النائبة عن الجماعة ـ أن يحصل على هذه الضروريات .. أولا عن طريق العمل ـ ما دام قادرا على العمل ـ وعلى الجماعة ـ والدولة النائبة عن الجماعة ـ أن تعلمه كيف يعمل ، وأن تيسر له العمل ، وأداة العمل .. فإذا تعطل لعدم وجود العمل ، أو أداته ، أو لعدم قدرته على العمل ، جزئيا أو كليا ، وقتيا أو دائما. أو إذا كان كسبه من عمله لا يكفي لضرورياته. فله الحق في استكمال هذه الضروريات من عدة وجوه : أولا : من النفقة التي تفرض له شرعا
__________________
(١) يراجع فصل «طريقة القرآن» في كتاب : «التصوير الفني في القرآن» وكذلك كتاب : «مشاهد القيامة في القرآن». «دار الشروق».
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
