الشريعة الإسلامية والحكم الإسلامي. وحماية المال والملكية الفردية في هذا المجتمع ، الذي يقوم نظامه الاجتماعي كله على شريعة الله.
وتستغرق هذه الأحكام المتعلقة بهذه الأمور الجوهرية في حياة المجتمع هذا الدرس ؛ مع تقدمة لهذه الأحكام بقصة «ابني آدم» التي تكشف عن طبيعة الجريمة وبواعثها في النفس البشرية ؛ كما تكشف عن بشاعة الجريمة وفجورها ؛ وضرورة الوقوف في وجهها والعقاب لفاعلها ؛ ومقاومة البواعث التي تحرك النفس للإقدام عليها.
وتبدو القصة وإيحاءاتها ملتحمة التحاما قويا مع الأحكام التالية لها في السياق القرآني. ويحس القارئ المتأمل للسياق بوظيفة هذه القصة في موضعها ؛ وبعمق الإيحاء الإقناعي الذي تسكبه في النفس وترسبه ؛ والاستعداد الذي تنشئه في القلب والعقل لتلقي الأحكام المشددة التي يواجه بها الإسلام جرائم الاعتداء على النفس والحياة ؛ والاعتداء على النظام العام ؛ والاعتداء على المال والملكية الفردية ؛ في ظل المجتمع الإسلامي ؛ القائم على منهج الله ؛ المحكوم بشريعته.
والمجتمع المسلم يقيم حياته كلها على منهج الله وشريعته ؛ وينظم شؤونه وارتباطاته وعلاقاته على أسس ذلك المنهج وعلى أحكام هذه الشريعة .. ومن ثم يكفل لكل فرد ـ كما يكفل للجماعة ـ كل عناصر العدالة والكفاية والاستقرار والطمأنينة ، ويكف عنه كل عوامل الاستفزاز والإثارة ، وكل عوامل الكبت والقمع ، وكل عوامل الظلم والاعتداء ، وكل عوامل الحاجة والضرورة. وكذلك يصبح الاعتداء ـ في مثل هذا المجتمع الفاضل العادل المتوازن المتكافل ـ على النفس والحياة ، أو على النظام العام ، أو على الملكية الفردية ؛ جريمة بشعة منكرة ، مجردة عن البواعث المبررة ـ أو المخففة ـ بصفة عامة .. وهذا يفسر التشدد ضد الجريمة والمجرمين بعد تهيئة الظروف المساعدة على الاستقامة عند الأسوياء من الناس ؛ وتنحية البواعث على الجريمة من حياة الفرد وحياة الجماعة .. وإلى جانب هذا كله ، ومع هذا كله ؛ يكفل النظام الإسلامي للمجرم المعتدي كل الضمانات لسلامة التحقيق والحكم ؛ ويدرأ عنه الحدود بالشبهات ؛ ويفتح له كذلك باب التوبة التي تسقط الجريمة في حساب الدنيا في بعض الحالات ، وتسقطها في حساب الآخرة في كل الحالات.
.. وسنرى نماذج من هذا كله في هذا الدرس ، وفيما تضمنه من أحكام ..
ولكن قبل أن نأخذ في المضي مع السياق وفي الحديث المباشر عن هذه الأحكام التي تضمنها لا بد أن نقول كلمة عامة ؛ عن البيئة التي تنفذ فيها هذه الأحكام ؛ والشروط التي تجعل لها قوة النفاذ ..
إن هذه الأحكام الواردة في هذا الدرس ـ سواء فيما يتعلق بالاعتداء على النفس أو الاعتداء على النظام العام ؛ أو الاعتداء على المال ـ شأنها شأن سائر الأحكام الواردة في الشريعة ، في جرائم الحدود ؛ والقصاص ؛ والتعازير .. كلها إنما تكون لها قوة التنفيذ في «المجتمع المسلم» في «دار الإسلام» .. ولا بد من بيان ما تعنيه الشريعة بدار الإسلام :
ينقسم العالم في نظر الإسلام وفي اعتبار المسلم إلى قسمين اثنين لا ثالث لهما :
الأول : «دار الإسلام» .. وتشمل كل بلد تطبق فيه أحكام الإسلام ، وتحكمه شريعة الإسلام ، سواء كان أهله كلهم مسلمين ، أو كان أهله مسلمين وذميين. أو كان أهله كلهم ذميين ولكن حكامه مسلمون يطبقون فيه أحكام الإسلام ، ويحكمونه بشريعة الإسلام (١). أو كانوا مسلمين ، أو مسلمين وذميين ولكن غلب على
__________________
(١) لا يلزم الذمي بكل أحكام الإسلام. إنما يلزم فقط بما لا يتعارض مع عقيدته من أحكام الإسلام ..
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
