سبحانه ـ يحابي فريقا من عباده ، فيدعهم يفسدون في الأرض ثم لا يعذبهم عذاب المفسدين الآخرين! فأي فساد في الحياة يمكن أن ينشأ عن مثل هذا التصور؟ وأي اضطراب في الحياة يمكن أن ينشئه مثل هذا الانحراف؟
وهنا يضرب الإسلام ضربته الحاسمة على هذا الفساد في التصور ، وكل ما يمكن أن ينشئه من الفساد في الحياة ، ويقرر عدل الله الذي لا يحابي ؛ كما يقرر بطلان ذلك الادعاء :
(قُلْ : فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ؟ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ، يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ) ..
بذلك يقرر الحقيقة الحاسمة في عقيدة الإيمان. يقرر بطلان ادعاء البنوة ؛ فهم بشر ممن خلق. ويقرر عدل الله وقيام المغفرة والعذاب عنده على أصلها الواحد. على مشيئته التي تقرر الغفران بأسبابه وتقرر العذاب بأسبابه. لا بسبب بنوة أو صلة شخصية!
ثم يكرر أن الله هو المالك لكل شيء ، وأن مصير كل شيء إليه :
(وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) ..
والمالك غير المملوك. تتفرد ذاته ـ سبحانه ـ وتتفرد مشيئته ، ويصير إليه الجميع ..
* * *
وينهي هذا البيان ، بتكرار النداء الموجه إلى أهل الكتاب ، يقطع به حجتهم ومعذرتهم ويقفهم أمام «المصير» وجها لوجه ، بلا غبش ولا عذر ، ولا غموض :
(يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ .. أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ .. فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ. وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ..
وبهذه المواجهة الحاسمة ، لا تعود لأهل الكتاب جميعا حجة من الحجج .. لا تعود لهم حجة في أن هذا الرسول الأمي لم يرسل إليهم. فالله ـ سبحانه ـ يقول :
(يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا) ..
ولا تعود لهم حجة في أنهم لم ينبهوا ولم يبشروا ولم ينذروا في مدى طويل ؛ يقع فيه النسيان ويقع فيه الانحراف .. فقد جاءهم ـ الآن ـ بشير ونذير ..
ثم يذكرهم أن الله لا يعجزه شيء .. لا يعجزه أن يرسل رسولا من الأميين. ولا يعجزه كذلك أن يأخذ أهل الكتاب بما يكسبون :
(وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ..
وتنتهي هذه الجولة مع أهل الكتاب ؛ فتكشف انحرافاتهم عن دين الله الصحيح الذي جاءتهم به رسلهم من قبل. وتقرر حقيقة الاعتقاد الذي يرضاه الله من المؤمنين. وتبطل حجتهم في موقفهم من النبي الأمي ؛ وتأخذ عليهم الطريق في الاعتذار يوم الدين ..
وبهذا كله تدعوهم إلى الهدى من ناحية ؛ وتضعف تأثير كيدهم في الصف المسلم من ناحية أخرى. وتنير الطريق للجماعة المسلمة ولطلاب الهدى جميعا .. إلى الصراط المستقيم ..
* * *
وفي نهاية الدرس يصل السياق إلى الموقف الأخير لبني إسرائيل مع رسولهم ومنقذهم ـ موسى عليهالسلام ـ
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
