لشريعة الله ، وتقريرا لسلطانه في الأرض.
ومن هذه الحتمية ينشأ الحكم الذي تقرره الآيات في سياق السورة : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ) .. (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) .. (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) .. ذلك أن الذين لا يحكمون بما أنزل الله يعلنون رفضهم لألوهية الله ـ سبحانه ـ ورفضهم لإفراد الله ـ سبحانه ـ بهذه الألوهية. يعلنون هذا الرفض بعملهم وواقعهم ؛ ولو لم يعلنوه بأفواههم وألسنتهم. ولغة العمل والواقع أقوى وأكبر من لغة الفم واللسان. ومن ثم يصمهم القرآن بالكفر والظلم والفسق ، أخذا من رفضهم لألوهية الله ـ حين يرفضون حاكميته المطلقة ؛ وحين يجعلون لأنفسهم خاصة الألوهية الأولى فيشرعون للناس من عند أنفسهم ما لم يأذن به الله.
وعلى هذا المعنى يتكىء سياق السورة ونصوصها الواضحة الصريحة كذلك.
* * *
شأن آخر يتناوله سياق السورة ؛ غير بناء التصور الاعتقادي الصحيح ، وبيان الانحرافات التي تتلبس به عند أهل الكتاب وأهل الجاهلية ؛ وغير بيان معنى «الدين» وأنه الاعتقاد الصحيح والطاعة والتلقي من الله وحده في التحريم والتحليل ، والحكم بما أنزل الله وحده دون تعديل أو تحريف أو تبديل.
ذلك هو شأن هذه الأمة المسلمة ؛ دورها الحقيقي في هذه الأرض ؛ وموقفها تجاه أعدائها ؛ وكشف هؤلاء الأعداء ، وكيدهم لهذه الأمة ولهذا الدين ؛ وبيان ما هم عليه من الضلالة والانحراف في عقيدتهم ؛ وما هم عليه كذلك من العداء للجماعة المسلمة وإجماع الكيد لها .. إنها المعركة التي يخوضها القرآن الكريم بالجماعة المسلمة ؛ والتي سبق الحديث عنها في السور الثلاث الطوال السابقة ..
إن كتاب هذه الأمة هو كتاب الله الأخير للبشر ؛ وهو يصدق ما بين يديه من الكتاب في أصل الاعتقاد والتصور ؛ ولكنه ـ بما أنه هو الكتاب الأخير ـ يهيمن على كل ما سبقه وإليه تنتهي شريعة الله التي ارتضاها لعباده إلى يوم الدين ؛ فما أقره من شرائع أهل الكتاب قبله فهو من شرع الله ؛ وما نسخه فقد فقد صفته هذه وإن كان واردا في كتاب من الكتب المنزلة :
(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ، وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) ..
(وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ ، مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ) ..
ومن ثم فإن دور هذه الأمة هو أن تكون الوصية على البشرية ؛ تقيم العدل في الأرض ، غير متأثرة بمودة أو شنآن ، وغير ناظرة في إقامة العدل إلى ما أصابها أو يصيبها من الناس فهذه هي تكاليف القوامة والوصاية والهيمنة .. وغير متأثرة كذلك بانحرافات الآخرين وأهوائهم وشهواتهم ؛ فلا تنحرف فيه شعرة عن منهجها وشريعتها وطريقها القويم ؛ لاسترضاء أحد أو لتأليف قلب ؛ وغير ناظرة إلا إلى الله وتقواه :
(وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا ؛ وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى ، وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ ، وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) ..
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ ، شُهَداءَ بِالْقِسْطِ ؛ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا. اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ، وَاتَّقُوا اللهَ ، إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ).
(وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ، فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ ؛ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ) ..
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
