على رسالته : كتابا ينزله عليهم من السماء .. فيقرر أن الوحي للرسول ليس بدعا ، وليس غريبا ، فهو سنة الله في إرسال الرسل جميعا ، من عهد نوح إلى عهد محمد. وكلهم رسل أرسلوا للتبشير والإنذار ؛ اقتضت هذا رحمة الله بعباده ، وأخذه الحجة عليهم ، وإنذاره لهم قبل يوم الحساب .. وكلهم جاءوا بوحي واحد ، لهدف واحد ؛ فالتفرقة بينهم تعنت لا يستند إلى دليل .. وإذا أنكروا هم وتعنتوا فإن الله يشهد ـ وكفى به شاهدا ـ والملائكة يشهدون.
(إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ، وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ ، وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ ، وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً. وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ، وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً .. رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ. وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً) ..
فهو إذن موكب واحد يتراءى على طريق التاريخ البشري الموصول ، ورسالة واحدة بهدى واحد للإنذار والتبشير .. موكب واحد يضم هذه الصفوة المختارة من بين البشر : نوح. وإبراهيم. وإسماعيل. وإسحاق. ويعقوب. والأسباط. وعيسى. وأيوب. ويونس. وهارون. وسليمان. وداود. وموسى ... وغيرهم ممن قصهم الله على نبيه ـ صلىاللهعليهوسلم ـ في القرآن ، وممن لم يقصصهم عليه .. موكب من شتى الأقوام والأجناس ، وشتى البقاع والأرضين. في شتى الآونة والأزمان. لا يفرقهم نسب ولا جنس ، ولا أرض ولا وطن. ولا زمن ولا بيئة. كلهم آت من ذلك المصدر الكريم. وكلهم يحمل ذلك النور الهادي. وكلهم يؤدي الإنذار والتبشير. وكلهم يحاول أن يأخذ بزمام القافلة البشرية إلى ذلك النور .. سواء منهم من جاء لعشيرة. ومن جاء لقوم. ومن جاء لمدينة ومن جاء لقطر .. ثم من جاء للناس أجمعين : محمد رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ خاتم النبيين.
كلهم تلقى الوحي من الله. فما جاء بشيء من عنده. وإذا كان الله قد كلم موسى تكليما فهو لون من الوحي لا يعرف أحد كيف كان يتم. لأن القرآن ـ وهو المصدر الوحيد الصحيح الذي لا يرقى الشك إلى صحته ـ لم يفصل لنا في ذلك شيئا. فلا نعلم إلا أنه كان كلاما. ولكن ما طبيعته؟ كيف تم؟ بأية حاسة أو قوة كان موسى يتلقاه؟ ... كل ذلك غيب من الغيب لم يحدثنا عنه القرآن. وليس وراء القرآن ـ في هذا الباب ـ إلا أساطير لا تستند إلى برهان.
أولئك الرسل ـ من قص الله على رسوله منهم ومن لم يقصص ـ اقتضت عدالة الله ورحمته أن يبعث بهم إلى عباده يبشرونهم بما أعده الله للمؤمنين الطائعين من نعيم ورضوان ؛ وينذرونهم ما أعده الله للكافرين العصاة من جحيم وغضب .. كل ذلك :
(لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) ..
ولله الحجة البالغة في الأنفس والآفاق ؛ وقد أعطى الله البشر من العقل ما يتدبرون به دلائل الإيمان في الأنفس والآفاق. ولكنه ـ سبحانه ـ رحمة منه بعباده ، وتقديرا لغلبة الشهوات على تلك الأداة العظيمة التي أعطاها لهم ـ أداة العقل ـ اقتضت رحمته وحكمته أن يرسل إليهم الرسل «مبشرين ومنذرين» يذكرونهم ويبصرونهم ؛ ويحاولون استنقاذ فطرتهم وتحرير عقولهم من ركام الشهوات ، التي تحجب عنها أو تحجبها عن دلائل الهدى وموحيات الإيمان في الأنفس والآفاق.
(وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً) ..
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
