التناسق معنى الجسامة والوثاقة والمتانة على طريقة القرآن الكريم في التعبير بالتصوير ، وبالتخييل الحسي والتجسيم (١).
وكان في هذا الميثاق : أن يدخلوا بيت المقدس سجدا. وأن يعظموا السبت الذي طلبوا أن يكون لهم عيدا.
ولكن ماذا كان؟ إنهم بمجرد ذهاب الخوف عنهم ؛ وغياب القهر لهم ، تملصوا من الميثاق الغليظ فنقضوه ، وكفروا بآيات الله ، وقتلوا أنبياءه بغير حق. وتبجحوا فقالوا : إن قلوبنا لا تقبل موعظة ، ولا يصل إليها قول ، لأنها مغلفة دون كل قول! وفعلوا كل الأفاعيل الأخرى التي يقصها الله سبحانه على رسوله وعلى المسلمين ـ في مواجهة اليهود ـ في سياق هذه الآيات ..
(فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ ، وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ ، وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ ...)
وعند قولهم : (لُوبُنا غُلْفٌ) .. وهي القولة التي كانوا يجيبون بها على دعوة الرسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ إما تيئيسا له من إيمانهم واستجابتهم ، وإما استهزاء بتوجيه الدعوة إليهم ، وتبجحا بالتكذيب وعدم الإصغاء ، وإما هذا وذلك معا .. عند قولهم هذا ينقطع السياق للرد عليهم :
(بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها ـ بِكُفْرِهِمْ ـ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً ـ)
فهي ليست مغلفة بطبعها. إنما هم كفرهم جر عليهم أن يطبع الله على قلوبهم ، فإذا هي صلدة جامدة مغطاة ، لا تستشعر نداوة الإيمان ولا تتذوق حلاوته ، فلا يقع منهم الإيمان ، إلا قليلا ، ممن لم يستحق بفعله ، أن يطبع الله على قلبه. أي أولئك الذين فتحوا قلوبهم للحق واستشرفوه ، فهداهم الله إليه ورزقهم إياه. وهم قلة قليلة من اليهود. كعبد الله بن سلام ، وثعلبة بن سعية ، وأسد بن سعية ، وأسد بن عبيد الله ..
وبعد هذا الاستدراك والتعقيب ، يعود السياق إلى تعداد الأسباب التي استحقوا عليها ما استحقوا من تحريم بعض الطيبات عليهم في الدنيا ، ومن إعداد النار وتهيئتها لهم ، لتكون في انتظارهم في الآخرة!
(وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً. وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ ...)
ويكرر صفة الكفر كلما ذكر إحدى منكراتهم. فقد ذكرها عند قتلهم الأنبياء بغير حق ـ وما يقتل نبي بحق أبدا فهي حال لتقرير الواقع ـ وذكرها هنا بمناسبة قولهم على مريم بهتانا عظيما. وقد قالوا على مريم الطاهرة ذلك المنكر الذي لا يقوله إلا اليهود! فرموها بالزنا مع يوسف النجار ـ لعنة الله عليهم! ثم تبجحوا بأنهم قتلوا المسيح وصلبوه ، وهم يتهكمون بدعواه الرسالة فيقولون : قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله! وحين يصل السياق إلى هذه الدعوى منهم يقف كذلك للرد عليها ، وتقرير الحق فيها :
(وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ ، وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ، وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ؛ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ. وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً. بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ ، وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً) ..
إن قضية قتل عيسى عليهالسلام وصلبه ، قضية يخبط فيها اليهود ـ كما يخبط فيها النصارى بالظنون ـ فاليهود يقولون : إنهم قتلوه ويسخرون من قوله : إنه رسول الله ، فيقررون له هذه الصفة على سبيل السخرية! والنصارى يقولون : إنه صلب ودفن ، ولكنه قام بعد ثلاثة أيام. و «التاريخ» يسكت عن مولد المسيح ونهايته كأن لم تكن له في حساب!
__________________
(١) يراجع كتاب : التصوير الفني في القرآن «دار الشروق».
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
