وبعد تركيز تلك القاعدة الأساسية في التصور الإسلامي عن حقيقة الإيمان وحقيقة الكفر ، فيما يتعلق بالرسل والرسالات .. يأخذ في استعراض بعض مواقف اليهود في هذا المجال ، وفي مجال الجهر بالسوء الذي بدئ به هذا الدرس ، منددا بموقفهم من النبي صلىاللهعليهوسلم ورسالته ، وتعنتهم في طلب الآيات والأمارات منه ، ويقرن بين موقفهم هذا وما كان لهم من مواقف مع نبيهم موسى ـ عليهالسلام ـ ثم مع رسول الله من بعده عيسى ـ عليهالسلام ـ وأمه مريم ، فإذا هم جبلة واحدة في أجيالهم المتتابعة .. والسياق يوحد بين الجيل الذي يواجه الرسول صلىاللهعليهوسلم ، والجيل الذي واجه عيسى عليهالسلام .. والجيل الذي واجه موسى كذلك من قبل ، ليؤكد هذا المعنى ، ويكشف عن هذه الجبلة :
(يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ .. فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ ، فَقالُوا : أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً! فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ، ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ ؛ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ ، وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً. وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً ؛ وَقُلْنا لَهُمْ : لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ ؛ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً. فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ ، وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ ، وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَقَوْلِهِمْ : قُلُوبُنا غُلْفٌ ـ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً ـ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً. وَقَوْلِهِمْ : إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ! وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ؛ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ، ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ، إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ ، وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً ، بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ ، وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً. وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ـ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ، وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً ، وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا ـ وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ ـ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ ، وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً) ..
لقد وقف اليهود في الجزيرة من الإسلام ونبي الإسلام ذلك الموقف العدائي المتعنت المكشوف ، وكادوا له ذلك الكيد المبيت المستمر العنيد ، الذي وصفه القرآن تفصيلا ، واستعرضنا ألوانا منه في سورتي البقرة وآل عمران ، وفي هذه السورة كذلك من قبل ـ في الجزء الخامس ـ وهذا الذي تقصه الآيات هنا لون آخر.
إنهم يتعنتون فيطلبون إلى رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ أن يأتيهم بكتاب من السماء .. كتاب مخطوط ينزله عليهم من السماء مجسما يلمسونه بأيديهم :
(يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ) :
ويتولى الله ـ سبحانه ـ الإجابة عن نبيه. ويقص عليه وعلى الجماعة المسلمة ـ في مواجهة اليهود ـ صفحة من تاريخهم مع نبيهم وقائدهم ومنقذهم موسى ـ عليهالسلام ـ الذي يزعمون أنهم يؤمنون به ؛ ويرفضون التصديق بعيسى من بعده وبمحمد!
إن هذه الجبلة ليست جديدة عليهم ؛ وليست طابع هذا الجيل وحده منهم ، إنما هي جبلتهم من قديم. إنهم هم هم من عهد موسى ـ نبيهم وقائدهم ومنقذهم ـ إنهم هم هم غلظ حس فلا يدركون إلا المحسوسات .. وهم هم تعنتا وإعناتا فلا يسلمون إلا تحت القهر والضغط .. وهم هم كفرا وغدرا فسرعان ما ينقلبون فينقضون عهدهم ـ لا مع الناس وحدهم ولكن مع ربهم كذلك ـ وهم هم قحة وافتراء ؛ فلا يعنيهم أن يتثبتوا من قول ؛ ولا يتورعون كذلك عن الجهر بالنكر .. وهم هم طمعا في عرض الدنيا ؛ وأكلا لأموال الناس بالباطل ؛ وإعراضا عن أمر الله وعما عنده من ثواب ..
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
