(وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً).
وبهذه اللمسات المنوعة ، يكشف حقيقة المنافقين في المجتمع المسلم ، ويقلل من شأنهم ؛ وينبه المؤمنين إلى مزالق النفاق ، ويحذرهم مصيره. ويفتح باب التوبة للمنافقين ؛ ليحاول من فيه منهم خير ، أن يخلص نفسه ، وينضم إلى الصف المسلم في صدق وفي حرارة وفي إخلاص ..
* * *
وأخيرا تجيء تلك اللمسة العجيبة ، الموحية المؤثرة العميقة .. أخيرا بعد ذكر العقاب المفزع ، والأجر العظيم .. لتشعر قلوب البشر أن الله في غنى عن عذاب العباد. فما به ـ سبحانه ـ من نقمة ذاتية عليهم يصب عليهم من أجلها العذاب. وما به ـ سبحانه ـ من حاجة لإظهار سلطانه وقوته عن هذا الطريق. وما به ـ سبحانه ـ من رغبة ذاتية في عذاب الناس. كما تحفل أساطير الوثنية كلها بمثل هذه التصورات .. وإنما هو صلاح العباد بالإيمان والشكر لله .. مع تحبيبهم في الإيمان والشكر لله. وهو الذي يشكر صالح العمل ويعلم خبايا النفوس :
(ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ ـ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ؟ ـ وَكانَ اللهُ شاكِراً عَلِيماً) ..
نعم! ما يفعل الله بعذابكم ـ إن شكرتم وآمنتم؟ إن عذابه لجزاء على الجحود والكفران ؛ وتهديد لعله يقود إلى الشكر والإيمان .. إنها ليست شهوة التعذيب ، ولا رغبة التنكيل ؛ ولا التذاذ الآلام ، ولا إظهار البطش والسلطان .. تعالى الله عن ذلك كله علوا كبيرا .. فمتى اتقيتم بالشكر والإيمان ؛ فهنالك الغفران والرضوان. وهناك شكر الله ـ سبحانه ـ لعبده. وعلمه ـ سبحانه ـ بعبده ..
وشكر الله ـ سبحانه ـ للعبد ، يلمس القلب لمسة رفيقة عميقة .. إنه معلوم أن الشكر من الله ـ سبحانه ـ معناه الرضى ، ومعناه ما يلازم الرضى من الثواب .. ولكن التعبير بأن الله ـ سبحانه ـ شاكر .. تعبير عميق الإيحاء!
وإذا كان الخالق المنشئ ، المنعم المتفضل ، الغني عن العالمين .. يشكر لعباده صلاحهم وإيمانهم وشكرهم وامتنانهم .. وهو غني عنهم وعن إيمانهم وعن شكرهم وامتنانهم .. إذا كان الخالق المنشئ ، المنعم المتفضل ، الغني عن العالمين يشكر .. فماذا ينبغي للعباد المخلوقين المحدثين ؛ المغمورين بنعمة الله .. تجاه الخالق الرازق المنعم المتفضل الكريم؟!
ألا إنها اللمسة الرفيقة العميقة التي ينتفض لها القلب ويخجل ويستجيب.
ألا إنها الإشارة المنيرة إلى معالم الطريق .. الطريق إلى الله الواهب المنعم ، الشاكر العليم ..
* * *
وبعد .. فهذا جزء واحد ، من ثلاثين جزءا ، من هذا القرآن .. يضم جناحيه على مثل هذا الحشد العجيب من عمليات البناء والترميم ؛ والتنظيف والتقويم. وينشئ في عالم النفس ، وفي واقع المجتمع ، وفي نظام الحياة ، ذلك البناء الضخم المنسق العريض. ويعلن مولد الإنسان الجديد ؛ الذي لا تعرف له البشرية من قبل ولا من بعد مثيلا ولا شبيها ، في مثاليته وواقعيته. وفي نظافته وتطهره ، مع مزاولة نشاطه الإنساني في شتى الميادين .. هذا الإنسان الذي التقطة المنهج الرباني من سفح الجاهلية ، ودرج به في المرتقى الصاعد ، إلى القمة السامقة. في يسر. وفي رفق وفي لين ..
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
