(ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا. فَمَنْ يُجادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ؟ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً؟) ..
واللهم لا مجادل عنهم يوم القيامة ولا وكيل. فما جدوى الجدال عنهم في الدنيا وهي لا تدفع عنهم ذلك اليوم الثقيل؟
* * *
وبعد هذه الحملة الغاضبة على الخونة الأثمة ، والعتاب الشديد للمنافحين عنهم والمجادلين. يجيء تقرير القواعد العامة لهذه الفعلة وآثارها. وللحساب عليها والجزاء. ولقاعدة الجزاء عامة. القاعدة العادلة التي يعامل بها الله العباد. ويطلب إليهم أن يحاولوا محاكاتها في تعاملهم فيما بينهم ، وأن يتخلقوا بخلق الله ـ خلق العدل ـ فيها :
(وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً. وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ. وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً .. وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ، ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً) ..
إنها آيات ثلاث تقرر المبادئ الكلية التي يعامل بها الله عباده ؛ والتي يملك العباد أن يعاملوا بعضهم بعضا بها ، ويعاملوا الله على أساسها فلا يصيبهم السوء.
الآية الأولى تفتح باب التوبة على مصراعيه ، وباب المغفرة على سعته ؛ وتطمع كل مذنب تائب في العفو والقبول :
(وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً) .. إنه ـ سبحانه ـ موجود للمغفرة والرحمة حيثما قصده مستغفر منيب .. والذي يعمل السوء يظلم غيره. ويظلم نفسه. وقد يظلم نفسه وحدها إذا عمل السيئة التي لا تتعدى شخصه .. وعلى أية حال فالغفور الرحيم يستقبل المستغفرين في كل حين ؛ ويغفر لهم ويرحمهم متى جاءوه تائبين. هكذا بلا قيد ولا شرط ولا حجاب ولا بوّاب! حيثما جاءوا تائبين مستغفرين وجدوا الله غفورا رحيما ..
والآية الثانية تقرر فردية التبعة. وهي القاعدة التي يقوم عليها التصور الإسلامي في الجزاء ، والتي تثير في كل قلب شعور الخوف وشعور الطمأنينة. الخوف من عمله وكسبه. والطمأنينة من أن لا يحمل تبعة غيره.
(وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ. وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً) ..
ليست هناك خطيئة موروثة في الإسلام ، كالتي تتحدث عنها تصورات الكنيسة. كما أنه ليست هناك كفارة غير الكفارة التي تؤديها النفس عن نفسها .. وعندئذ تنطلق كل نفس حذرة مما تكسب. مطمئنة إلى أنها لا تحاسب إلا على ما تكسب .. توازن عجيب ، في هذا التصور الفريد. هو إحدى خصائص التصور الإسلامي وأحد مقوماته (١) ، التي تطمئن الفطرة ، وتحقق العدل الإلهي المطلق ؛ المطلوب أن يحاكيه بنو الإنسان.
والآية الثالثة تقرر تبعة من يكسب الخطيئة ثم يرمي بها البريء .. وهي الحالة المنطبقة على حالة العصابة التي يدور عليها الكلام :
(وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ، ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً ، فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً) ..
البهتان في رميه البريء. والإثم في ارتكابه الذنب الذي رمى به البريء .. وقد احتملهما معه. وكأنما
__________________
(١) يراجع كتاب : «خصائص التصور الإسلامي ومقوماته». «دار الشروق».
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
