وفي هذه الطائفة من أحكام المعاملات الدولية بلاغ وبيان ..
* * *
ذلك في علاقات المسلمين مع المعسكرات الأخرى. فأما في علاقات المسلمين بعضهم ببعض ، مهما اختلفت الديار ـ وفي ذلك الوقت كما في كل وقت كان هناك مسلمون في شتى الديار ـ فلا قتل ولا قتال .. لا قتل إلا في حد أو قصاص .. فإنه لا يوجد سبب يبلغ من ضخامته أن يفوق ما بين المسلم والمسلم من وشيجة العقيدة. ومن ثم لا يقتل المسلم المسلم أبدا. وقد ربطت بينهما هذه الرابطة الوثيقة. اللهم إلا أن يكون ذلك خطأ .. وللقتل الخطأ توضع التشريعات والأحكام. فأما القتل العمد فلا كفارة له. لأنه وراء الحسبان! ووراء حدود الإسلام!
«وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ. ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله ـ إلا أن يصدقوا ـ فإن كان من قوم عدو لكم ـ وهو مؤمن ـ فتحرير رقبة مؤمنة. وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة. فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين. توبة من الله. وكان الله عليما حكيما.
(وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها ، وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ ، وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً) .. وهذه الأحكام تتناول أربع حالات : ثلاث منها من حالات القتل الخطأ ـ وهو الأمر المحتمل وقوعه بين المسلمين في دار واحدة ـ دار الإسلام ـ أو في ديار مختلفة بين شتى الأقوام ـ والحالة الرابعة حالة القتل العمد. وهي التي يستبعد السياق القرآني وقوعها ابتداء. فليس من شأنها أن تقع. إذ ليس في هذه الحياة الدنيا كلها ما يساوي دم مسلم يريقه مسلم عمدا. وليس في ملابسات هذه الحياة الدنيا كلها ما من شأنه أن يوهن من علاقة المسلم بالمسلم إلى حد أن يقتله عمدا. وهذه العلاقة التي أنشأها الإسلام بين المسلم والمسلم من المتانة والعمق والضخامة والغلاوة والإعزاز بحيث لا يفترض الإسلام أن تخدش هذا الخدش الخطير أبدا. ومن ثم يبدأ حديثه عن أحكام القتل الخطأ :
(وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً) ..
فهذا هو الاحتمال الوحيد في الحس الإسلامي .. وهو الاحتمال الحقيقي في الواقع .. فإن وجود مسلم إلى جوار مسلم مسألة كبيرة. كبيرة جدا. ونعمة عظيمة. عظيمة جدا. ومن العسير تصور أن يقدم مسلم على إزالة هذه النعمة عن نفسه ؛ والإقدام على هذه الكبيرة عن عمد وقصد .. إن هذا العنصر .. المسلم .. عنصر عزيز في هذه الأرض .. وأشد الناس شعورا بإعزاز هذا العنصر هو المسلم مثله .. فمن العسير أن يقدم على إعدامه بقتله .. وهذا أمر يعرفه أصحابه. يعرفونه في نفوسهم ومشاعرهم. وقد علمهم الله إياه بهذه العقيدة. وبهذه الوشيجة. وبهذه القرابة التي تجمعهم في رسول الله ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ثم ترتقي فتجمعهم في الله سبحانه الذي ألف بين قلوبهم. ذلك التأليف الرباني العجيب.
فأما إذا وقع القتل خطأ فهناك تلك الحالات الثلاث ، التي يبين السياق أحكامها هنا :
الحالة الأولى : أن يقع القتل على مؤمن أهله مؤمنون في دار الإسلام. ويجب في هذه الحالة تحرير رقبة مؤمنة ، ودية تسلم إلى أهله .. فأما تحرير الرقبة المؤمنة ، فهو تعويض للمجتمع المسلم عن قتل نفس مؤمنة باستحياء نفس مؤمنة. وكذلك هو تحرير الرقاب في حس الإسلام. وأما الدية فتسكين لثائرة النفوس ، وشراء لخواطر المفجوعين ، وتعويض لهم عن بعض ما فقدوا من نفع المقتول .. ومع هذا يلوح الإسلام لأهل القتيل بالعفو ـ
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
