ذلك أن التسامح هنا ليس تسامحا. إنما هو تميع. والإسلام عقيدة التسامح. ولكنه ليس عقيدة «التميع». إنه تصور جاد. ونظام جاد. والجد لا ينافي التسامح. ولكنه ينافي التميع.
وفي هذه اللفتات واللمسات من المنهج القرآني للجماعة المسلمة الأولى ، بيان ، وبلاغ ..
* * *
ثم استثنى من هذا الحكم ـ حكم الأسر والقتل ـ لهذا الصنف من المنافقين ، الذين يعينون أعداء المسلمين ـ من يلجأون إلى معسكر بينه وبين الجماعة الإسلامية عهد ـ عهد مهادنة أو عهد ذمة ـ ففي هذه الحالة يأخذون حكم المعسكر الذي يلتجئون إليه ، ويتصلون به :
(إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ) ..
ويبدو في هذا الحكم اختيار الإسلام للسلم ، حيثما وجد مجالا للسلم لا يتعارض مع منهجه الأساسي. من حرية الإبلاغ وحرية الاختيار ؛ وعدم الوقوف في وجه الدعوة ، بالقوة مع كفالة الأمن للمسلمين ؛ وعدم تعريضهم للفتنة ، أو تعريض الدعوة الإسلامية ذاتها للتجميد والخطر.
ومن ثم يجعل كل من يلجأ ويتصل ويعيش بين قوم معاهدين ـ عهد ذمة أو عهد هدنة ـ شأنه شأن القوم المعاهدين. يعامل معاملتهم ، ويسالم مسالمتهم. وهي روح سلمية واضحة المعالم في مثل هذه الأحكام.
كذلك يستثني من الأسر والقتل جماعة أخرى. هي الأفراد أو القبائل أو المجموعات التي تريد أن تقف على الحياد ، فيما بين قومهم وبين المسلمين من قتال. إذ تضيق صدورهم أن يقاتلوا المسلمين مع قومهم. كما تضيق صدورهم أن يقاتلوا قومهم مع المسلمين. فيكفوا أيديهم عن الفريقين بسبب هذا التحرج من المساس بهؤلاء أو هؤلاء :
(أَوْ جاؤُكُمْ ، حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ) ..
وواضح كذلك في هذا الحكم الرغبة السلمية في اجتناب القتال ؛ حيثما كف الآخرون عن التعرض للمسلمين ودعوتهم ؛ واختاروا الحياد بينهم وبين المحاربين لهم. وهؤلاء الذين يتحرجون أن يحاربوا المسلمين أو يحاربوا قومهم .. كانوا موجودين في الجزيرة ؛ وفي قريش نفسها ؛ ولم يلزمهم الإسلام أن يكونوا معه أو عليه. فقد كان حسبه ألا يكونوا عليه (١) .. كما أنه كان المرجو من أمرهم أن ينحازوا إلى الإسلام ، حينما تزول الملابسات التي تحرجهم من الدخول فيه ؛ كما وقع بالفعل.
ويحبب الله المسلمين في انتهاج هذه الخطة مع المحايدين المتحرجين. فيكشف لهم عن الفرض الثاني الممكن في الموقف! فلقد كان من الممكن ـ بدل أن يقفوا هكذا على الحياد متحرجين ـ أن يسلطهم الله على المسلمين فيقاتلوهم مع أعدائهم المحاربين! فأما وقد كفهم الله عنهم على هذا النحو ، فالسلم أولى ، وتركهم وشأنهم هو السبيل :
(وَلَوْ شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ. فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ ، وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ. فَما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً) ..
وهكذا يلمس المنهج التربوي الحكيم نفوس المسلمين المتحمسين ، الذين قد لا يرضون هذا الموقف من هذا الفريق. يلمسه بما في هذا الموقف من فضل الله وتدبيره ؛ ومن كف لجانب من العداء والأذى كان سيضاعف
__________________
(١) عدلت هذه الأحكام في آيات التوبة ، حين تقرر ـ بعد التجارب العملية ـ أنه لا يمكن أن يتعايش دينان في الجزيرة.
![في ظلال القرآن [ ج ٢ ] في ظلال القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3879_fi-zilal-alquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
